مأرب: مستشفى حكومي يسجل “صفر وفيات بين الأمهات”

مأرب – محمد الوجيه

على سرير الطوارئ في مستشفى كرى العام، بمحافظة مأرب، وسط اليمن، كانت امرأة تلامس الموت بكل جوارحها: ضغط دم مرتفع، تشنجات عنيفة، وفقدان كامل للوعي. لم تكن مجرد حالة عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة النظام الصحي.

في بلد تموت فيه امرأة كل ساعتين أثناء الحمل والولادة، يبدو “صفر وفيات” رقمًا خياليًا. لكنه في مأرب، وتحديدًا في قسم الطوارئ التوليدية بمستشفى كرى تحوّل واقعًا خلال العام 2025.

هذا القسم الذي بدأ كمركز صحي، في عام 2002، تحول إلى نموذج يحتذى به في بلد تعمل فيه أقل من 60 % من المرافق الصحية بكامل طاقتها، بحسب منظمة الهجرة الدولية. وتطور المركز إلى مستشفى ريفي عام 2014، ثم إلى مستشفى عام بسعة 120 سريرًا عام 2022 بعد أن تلقى الدعم من السلطة المحلية إلى جانب الشراكات الميدانية مع منظمات وجهات المانحة، محلية ودولية.

تعد هذه الشراكات أساسيًا وفاعلًا في إدارة وتشغيل المستشفى حتى اليوم، وتتنوع هذه التدخلات بين الدعم المباشر للأقسام، ومشاريع تطوير البنية التحتية والخدمية والتوسعة، وكذلك رعاية وتأهيل الكوادر.

بطاقة الدعم الصحي

وتروي القابلة نجوم عبدالله لـ”المشاهد” طبيعة المشهد بالمستشفى قائلةً: “استقبلنا الحالة في وضع لا يسمح حتى بتحريك المريضة، أي تأخير كان سيكلفها حياتها وحياة جنينها. فورًا، تحرك الفريق الطبي لاتخاذ قرار حاسم: تدخل قيصري عاجل، تم في دقائق معدودة”.

لكن المفارقة أن الخطر لم يكن طبيًا فقط. فبينما كان المرافقون عاجزون عن دفع تكاليف العملية، تدخلت منظمة “يمان” عبر بطاقة الدعم الصحي، الذي لا يغطي العمليات والعلاج فحسب، بل حتى المواصلات للفئات الأشد احتياجاً. ويقدم كادر القسم بطاقة الدعم الصحي للحالات التي تستوجب الدعم، بتمويل من مؤسسة “يمان” للتنمية الصحية، الممولة من الحكومة الألمانية.

وقدمت الحكومة الألمانية دعمًا ماليًا لتمويل خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية في اليمن بأكثر من 207.5 مليون دولار منذ 2024 حتى العام الجاري، بحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة.

تلك البطاقة، كما تقول نجوم لـ”المشاهد”، لم تكن مجرد ورقة، بل طوق نجاة أعاد الأمل لتلك الأسرة، وجسّد الرعاية الصحية كالتزام إنساني قبل أن تكون خدمةً طبية.

صفر وفيات بين الأمهات

خلف القصة الإنسانية، تقف إحصاءات صارمة تؤكد أن النجاح منهج وليس صدفة. وفق بيانات قسم الإحصاء في المستشفى، استقبل قسم الطوارئ التوليدية، 3108 حالات ولادة، خلال عام 2025، منها 1080 عملية قيصرية و2028 ولادة طبيعية.

لكن الرقم الأكثر دلالة، والذي رصده “المشاهد”، هو تسجيل “صفر وفيات” بين الأمهات طوال العام. وهذا الإنجاز يكتسب أبعاده الحقيقية في بلد تموت فيه امرأة كل ساعتين بسبب مضاعفات الحمل والولادة، وفق تقرير لصندوق الأمم المتحدةللسكان في اليمن، نشر في سبتمبر 2025.

أما وفيات المواليد فبلغت 45 حالة خلال العام نفسه، ومعظمها، لحالات وصلت في مراحل متأخرة جداً أو تعاني مضاعفات معقدة نتيجة نقص الرعاية المبكرة، وفقًا لمسؤولة قسم الاحصاء في المستشفى، برديس العامري.

وفي الربع الأول من عام 2026، واصل القسم أداءه اللافت، مسجلًا 782 حالة ولادة، منها 317 عملية قيصرية و465 ولادة طبيعية مع استمرار “صفر وفيات” للأمهات، و16 حالة وفاة بين المواليد.

 بروتوكول صارم من أجل الأمهات

قسم الولادة، مستشفى كرى العام، مأرب

تقول رئيسة قسم الطوارئ التوليدية في المستشفى، الدكتورة سهام شعبان، لـ”المشاهد”: “إن ما تحقق لم يأتِ من فراغ. وتوضح أنه ثمرة الالتزام الصارم بتطبيق البروتوكولات الطبية المعتمدة عالميًا، مع انتقاء كفاءات طبية مؤهلة، وبيئة من العمل الجماعي بين الأقسام المختلفة.

وتضيف شعبان: “إدارة المستشفى ومنظمة “يمان” تعملان معًا على تذليل أي عائق يواجه الفريق الطبي، بدءًا من توفير الأدوية والمستلزمات وصولًا إلى تأهيل الكادر”.

من جانبها، تؤكد القابلة نجوم عبدالله، أن روح الفريق الواحد هي مكمل المعادلة، حيث تعمل القابلات جنبًا إلى جنب مع الأطباء، والمتابعة الدورية للحوامل من خلال الفحوصات والتحاليل تُمكّن الفريق من اكتشاف المضاعفات مبكرًا.

وتأسست مؤسسة “يمان” للتنمية الصحية في 2009 في صنعاء، وتركز على صحة الام والطفل. تتلقى حاليًا دعمًا لبرامجها من الحكومة الألمانية.

بطاقة لدعم صحة الامهات

مدير منظمة يمان في مستشفى كرى العام، الدكتور عبدالكريم الصوفي

يمثل المال في كثير من الأحيان حاجزًا أكبر من المضاعفات الطبية نفسها في حال عدم توفره. لكن منظمة “يمان” أتت لتحرر المعادلة في قسم الطوارئ التوليدية بمستشفى كرى العام في مدينة مأرب، فجعلت قرار إنقاذ الحياة قرارًا طبيًا بحتًا، عبر بطاقة دعم صحي متكامل.

في توضيح لآلية عمل المنظمة، يشرح مدير منظمة “يمان” في المستشفى، الدكتور عبدالكريم قاسم الصوفي، لـ”المشاهد” أن الدعم لا يقتصر على المستلزمات الطبية فقط، بل يمتد ليشمل تغطية تكاليف العمليات والمواصلات للفئات الأشد احتياجًا عبر بطاقة الدعم الصحي.

ويؤكد الصوفي: هذا الدعم يحرر الفريق الطبي من القيود المالية، ويسمح له بالتركيز على ما هو أهم: إنقاذ حياة الأم وطفلها. ويكشف عن خطط لتوسيع النموذج عبر إنشاء مركز الأمومة والطفولة في المستشفى، ليضم أقسام الطوارئ التوليدية، العمليات، رقود النساء، العناية المركزة والحضانة؛ بهدف تقديم رعاية متكاملة على مدار الساعة.

ضعف الوعي بصحة الأمهات والحوامل

رغم هذه الإنجازات، لا يخلو المشهد من تحديات. توضح أخصائية نساء وولادة بمأرب، سميرة الخياط، أن نقص الوعي المجتمعي وتأخر النساء في المراجعة يسهمان في زيادة تعقيد الحالات؛ مما يرفع نسبة العمليات القيصرية ويضغط على الموارد داخل القسم.

وتضيف: “كثير من النساء يأتينَ متأخرات، وبعضهنّ يهمل المتابعة أثناء الحمل أو لا يعرف أعراض الخطر. وهنا يبقى التحدي الأكبر هو الاستمرار في التوعية وتوسيع نطاق الدعم”.

في اليمن، تفتقر 6,2 مليون امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية الأساسية، بحسب تقرير لصندوق الأمم المتحدة للسكان في اليمن، نشر في ديسمبر الماضي. وتقول المنظمة إن 600 ألف امرأة وفتاة استفدنَ العام الماضي من خدمات الصحة الإنجابية عبر 26 مرفقًا مدعومًا من الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك رعاية الطوارئ التوليدية والقابلات الماهرات.

في مأرب، على الأقل داخل جدران هذا المستشفى، لا تموت النساء كل ساعتين. لأن الحياة كما يرصدها الواقع اختارت أن تنتصر بفضل دعم مستمر من الحكومة الألمانية والاتحاد الأوروبي.


قراءة الخبر كامل من المصدر