اليمن: مناسبة عالمية لحرية الصحافة وواقع يزداد تضييقًا
تعز- خليل كامل
في بلدٍ تمزقه الحرب والانقسام السياسي، يواصل الصحفيون اليمنيون العمل في واحدة من أكثر البيئات الإعلامية خطورة وتعقيدًا. فبين الاستهداف المباشر، والاعتقالات التعسفية، والمحاكمات غير العادلة، والقيود الصارمة على النشر والتنقل، تتقلص مساحة حرية التعبير بشكل غير مسبوق، وسط غياب شبه تام للمساءلة.
يختصر الصحفي فؤاد المجيدي، مراسل قناة اليمن اليوم في مأرب جزءًا من هذه التحديات. مشيرًا إلى أن العمل الميداني بات مرهونًا بإجراءات معقدة. ويقول إن تغطية أخبار المخيمات أو الكوارث، مثل الحرائق والسيول، تتطلب تصاريح مسبقة من الجهات المختصة، ما يعيق الاستجابة السريعة للأحداث الطارئة.
ويضيف المجيدي لـ “المشاهد” أن الصحفيين يواجهون عراقيل في نقاط التفتيش، وقد يُمنعون من التصوير أو يُحتجزون لساعات، فيما يتطلب العمل داخل المدينة استخراج تصاريح إضافية قد تستغرق يومًا كاملًا دون إنجاز. أما في المرافق الحكومية، فيتحول الوصول إلى المعلومات أو التصوير إلى مسار طويل من الموافقات الإدارية، قد يمتد لأيام.
تدهور مستمر
انفوغرافك يوضح أنواع الاعتداءات المسجلة ضد الصحفيين في اليمن خلال 2025، نقلا عن نقابة الصحفيين اليمنيين
تعكس المؤشرات المحلية والدولية حجم التراجع في حرية الصحافة، إذ تراجعت اليمن في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 إلى المرتبة 164 مقارنة بالمرتبة 154 في العام السابق، ما يجعل عام 2026 الأسوأ من حيث وضع حرية الصحافة
ووثق “مرصد الحريات الإعلامية” 108 انتهاكات خلال العام 2025. وخلال نفس الفترة، سجلت “نقابة الصحفيين اليمنيين” 127 انتهاكًا، تنوعت بين الاعتقال والتهديد ومنع التغطية.
انفوغرافك الجهات المنتهكة للحريات الاعلامية خلال 2025، نقلا عن تقرير نقابة الصحفيين اليمنيين
ومنذ عام 2015، وثق المرصد ما لا يقل عن 2,675 انتهاكًا، توزعت بين مختلف أطراف النزاع، تصدرتها جماعة الحوثي بـ 1,894 انتهاكًا، تليها الحكومة المعترف بها دوليًا بـ 284 انتهاكًا، إضافة إلى انتهاكات أخرى من أطراف مختلفة، بما في ذلك المجلس الانتقالي الجنوبي وتنظيم القاعدة ما يعكس طبيعة الانتهاكات الواسعة وغير المنحصرة في جهة واحدة.
إفلات من العقاب
إحصائية بالانتهاكات المسجلة ضد الصحفيين في اليمن خلال 2025، نقلا عن مرصد الحريات الاعلامية
لا تقتصر الانتهاكات على الاعتقال أو المنع من التغطية، بل تشمل الإخفاء القسري، والمحاكمات غير العادلة، والاستجوابات خارج الإطار القانوني. وتشير بيانات حقوقية إلى أن كثيرًا من حالات الاعتقال تبدأ بإخفاء الصحفيين لفترات متفاوتة قبل الكشف عن أماكن احتجازهم.
ولا يزال ثمانية من الصحفيين قيد الاحتجاز، بينهم وحيد الصوفي، الذي لا يزال مصيره مجهولًا منذ سنوات. فيما ترفض جهات أمنية الإفراج عن صحفيين رغم صدور أوامر قضائية بذلك، في مؤشر على ضعف سيادة القانون.
ورغم توثيق هذه الانتهاكات، لا تزال المساءلة شبه غائبة، إذ نادرًا ما تتم محاسبة المسؤولين، ما يعزز مناخ الخوف ويدفع الصحفيين إلى ممارسة الرقابة الذاتية.
رقابة مسبقة
إلى جانب الانتهاكات الأمنية، تفرض السلطات في مناطق مختلفة قيودًا إدارية مشددة، أبرزها اشتراط الحصول على تصاريح مسبقة للتصوير أو إعداد التقارير. كما هو الحال في عدن ومأرب. أما مناطق الحوثي فقد أصبحت خالية تماما من الوسائل الاعلام المستقلة والحزبية.
وفي بعض الحالات، تسعى بعض الجهات إلزام الوسائل الإعلام بعرض المواد قبل نشرها، كما حدث في أبريل الماضي في محافظة شبوة، حين أوقف مكتب الإعلام في المحافظة قناة المهرية، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية شكلًا من أشكال الرقابة المسبقة.
أدت هذه القيود إلى إغلاق بعض المؤسسات الإعلامية، أو اضطرارها للعمل بشكل محدود، فيما لجأ بعض الصحفيين إلى استخدام أسماء مستعارة أو التوقف عن العمل لتجنب الاستهداف.
استهداف يتجاوز المهنة
أنواع وإحصائية الانتهاكات المسجلة ضد الصحفيين في 2025، تقرير نقابة الصحفيين اليمنيين
لم تعد المخاطر تقتصر على العمل الصحفي فحسب، بل تمتد أحيانًا إلى الحياة الشخصية للصحفيين. ويظهر ذلك في حوادث قتل واعتداءات طالت صحفيين خارج إطار عملهم المباشر، من بينها حادثة مقتل الصحفي عبدالصمد القاضي في تعز إثر هجوم مسلح، في واقعة تعكس هشاشة البيئة الأمنية التي يعمل فيها الصحفيون.
وشهدت البلاد استهدافًا مباشرًا لمؤسسات إعلامية، بما في ذلك قصف مواقع تضم وسائل إعلام، في الحديدة وصنعاء، ما أدى إلى سقوط ضحايا من الصحفيين والعاملين في المجال الإعلامي.
استهداف الصحفيات
تواجه الصحفيات في اليمن تحديات مضاعفة، حيث وثق المرصد 56 حالة انتهاك ضدهن منذ عام 2015، شملت التهديد، والتشهير، والتحرش، والمنع من العمل.
ولا تقتصر آثار هذه الانتهاكات على الجانب المهني، بل تمتد إلى الحياة الشخصية، ما يفرض ضغوطًا إضافية في بيئة مقيدة أصلًا.
خطاب الكراهية بين زملاء المهنة
إلى جانب الضغوط الخارجية، برزت تحديات داخلية، أبرزها تصاعد خطاب الكراهية وحملات التحريض بين الصحفيين أنفسهم، خصوصًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، في ظل الاستقطاب السياسي الحاد.
وتقول الصحفية شيماء الشرعبي إن هذا الواقع حول الفضاء الإعلامي إلى ساحة صراع، بدلًا من كونه مساحة لنقل الحقيقة، مشددة على أن غياب التضامن المهني يضعف قدرة الصحفيين على مواجهة الانتهاكات.
وأضافت شيماء إلى أن التكتم على المعلومات وصعوبة الوصول إلى المصادر الرسمية يعرقلان العمل الصحفي، ويدفعان الصحفيين للاعتماد على مصادر غير مكتملة، ما يسهم في انتشار الشائعات والمعلومات المغلوطة، ويضعف ثقة الجمهور بالإعلام.
وضع معيشي صعب واستقطاب متزايد
انفوغرافك يوضح تدني الأجور للصحافيين، تقرير نقابة الصحفيين اليمنيين، 2025
بالتوازي مع التحديات الأمنية، يواجه الصحفيون أوضاعًا معيشية صعبة نتيجة انهيار العديد من المؤسسات الإعلامية وتراجع التمويل. وقد دفع ذلك بعضهم إلى مغادرة المهنة، فيما اضطر آخرون للعمل ضمن وسائل إعلام ممولة سياسيًا، ما عمق الاستقطاب وأثر على استقلالية الخطاب الإعلامي.
وفي ظل هذا الواقع المعقد، تبدو الصحافة في اليمن أمام تحديات واسعه، تتداخل فيها القيود الأمنية مع الضغوط الاقتصادية والانقسامات المهنية.
ومع استمرار الانتهاكات وغياب المساءلة، تبرز الحاجة إلى ضمانات حقيقية لحماية الصحفيين، ورفع القيود المفروضة على عملهم، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لأي مسار نحو السلام، وضمان حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات.