ماهو ”يوم الولاية” أو ”يوم الغدير” الذي يحاول الحوثيون ترسيخه في اليمن (تحليل)

حشدت جماعة الحوثي مختلف إمكاناتها المالية والإعلامية لإقامة مهرجانات وفعاليات وأمسيات ثقافية واسعة في القرى والعزل والمديريات والمحافظات الخاضعة لسيطرتها، وصولاً إلى إنشاء إذاعة في محافظة البيضاء لترسيخ ما يُعرف بـ”يوم الولاية” أو “عيد الغدير”، في وقت تشهد فيه تلك المناطق أوضاعاً اقتصادية وأمنية ومعيشية متدهورة.

وسنحاول في هذا التحليل الرجوع إلى الدراسات والروايات الفقهية التي تناولت موضوع الولاية، والذي تحاول المليشيا الحوثية استيراده من إيران باعتباره امتداداً للأفكار السياسية التي نشأت عقب الثورة الإيرانية أواخر سبعينيات القرن الماضي، والتي تقوم على ربط السلطة والحكم بفئة محددة، وهو ما يثير جدلاً واسعاً في العديد من الدول العربية.

أولاً: الرواية التاريخية والفقهية لمفهوم الولاية

يُعد غدير خم حدثاً تاريخياً وقع بعد حجة الوداع، حيث ألقى النبي محمد ﷺ خطاباً أمام المسلمين أثناء عودتهم من الحج. وتختلف التفسيرات الإسلامية حول دلالات هذا الحدث، إلا أن خطبة الوداع التي ألقاها النبي ﷺ في يوم عرفة ركزت على مبادئ عظيمة، من أبرزها حرمة الدماء والأموال والأعراض، والمساواة بين الناس، وتحريم الربا، والوصية بالنساء، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وأداء الأمانات، وإلغاء ممارسات الجاهلية، ولم تتطرق إلى الولاية على الإطلاق.

ظهر مفهوم ولاية الفقيه في الفكر الفقهي الشيعي الاثني عشري منذ بدايات ما تُعرف بالغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر عند الشيعة الاثني عشرية، المهدي المنتظر. ويعتبر الفقهاء أن للفقيه الجامع لشروط الفتوى والمرجعية الدينية، والمعبر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، ولايةً وحاكميةً في عصر غيبة الإمام الحجة، حيث ينوب الولي الفقيه عن الإمام الغائب في قيادة الأمة وإدارة شؤونها والقيام بمهام الحكومة الإسلامية وإقامة حكم الله على الأرض.

وحصر الشيعة الاثنا عشرية الولاية وحق الحاكمية في ثلاثة: الله ورسوله والأئمة الاثنا عشر من أهل البيت، استناداً إلى آية الولاية: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).

واتفقوا على أن المقصود بـ”الذين آمنوا” هو علي بن أبي طالب والأئمة الأحد عشر من ذريته. وعندما استشهد الحسن بن علي العسكري، الإمام الحادي عشر، ووصلت الإمامة إلى الإمام الثاني عشر المهدي، بدأت فترة الغيبة الصغرى، وهو مصطلح يشير في الفكر الشيعي إلى الفترة الممتدة من سنة 260هـ، أي منذ وفاة الحسن العسكري حتى وفاة السفير الرابع سنة 329هـ. وخلال هذه الفترة غاب محمد بن الحسن المهدي عن الأنظار، وكان يتواصل مع أتباعه عن طريق وكلاء خاصين عُرفوا بالسفراء، وهم: عثمان بن سعيد العمري، وابنه محمد بن عثمان العمري، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري. وسميت هذه الفترة بالغيبة الصغرى تمييزاً لها عن الغيبة الكبرى التي تلتها.

ويجمع عدد من مراجع الشيعة الاثني عشرية على أن لكل فقيه ولاية خاصة على مقلديه في الأحكام الفقهية، إلا أنهم اختلفوا بشأن الولاية في الأمور العامة. ويرى روح الله الموسوي الخميني أن ولاية الفقيه مطلقة، بمعنى أن للفقيه من الصلاحيات ما ثبت للمعصوم في إدارة شؤون الأمة، إلا ما استثناه الدليل الشرعي.

وقبل الخميني، رأى عدد الشيعة، مثل أحمد النراقي، ومحمد حسن النجفي، وغيرهما، أن للفقيه ولاية عامة. كما تبنى هذا الرأي لاحقاً عدد من المراجع، من بينهم محمد حسين النائيني، ومحمد الحسين كاشف الغطاء، وحسين البروجردي.

في المقابل، لا يعترف عدد من مراجع الشيعة بولاية الفقيه بصيغتها المطلقة، ومن بينهم المرجع اللبناني محمد حسين فضل الله، الذي يرى أن نظرية ولاية الفقيه لا تحظى بإجماع فقهي داخل المدرسة الشيعية، كما أشار إلى أن عدداً من كبار المراجع، مثل أبي القاسم الخوئي ومحسن الحكيم، لم يتبنوا هذه النظرية.

أما أهل السنة والجماعة، فيرون أنه لا وجود لمفهوم ولاية الفقيه في القرآن الكريم أو السنة النبوية، ولم يُنقل العمل بها عن الصحابة أو من جاء بعدهم، مع إقرارهم بمبدأ الخلافة الإسلامية باعتبارها نظاماً لإدارة شؤون المسلمين .

ثانياً: بداية أول تجربة لمفهوم الولاية

ظهر مصطلح ولاية الفقيه بصورة عملية مع نجاح الثورة الإيرانية عام 1979 بقيادة الخميني، وسقوط النظام الملكي الذي كان يقوده محمد رضا بهلوي، لتتحول إيران إلى دولة تقوم على المرجعية الدينية.

ويقوم هذا المفهوم على السعي إلى إقامة أنظمة مشابهة للنظام الإيراني في دول أخرى، فيما عُرف لاحقاً بمبدأ “تصدير الثورة”.

وبدأ الخميني أول تطبيق عملي لهذا المفهوم في إيران بعد الإطاحة بالنظام الملكي، حيث تم ترسيخ ما سُمي بـ”الجمهورية الإسلامية”، ومنح منصب الولي الفقيه صلاحيات واسعة في إدارة الدولة.

ثالثاً: تصدير الولاية إلى الدول العربية

يرى باحثون أن إيران عملت على تصدير أفكار الثورة وولاية الفقيه إلى عدد من الدول العربية، من بينها العراق ولبنان وسوريا واليمن.

وفي اليمن، سافر بدر الدين الحوثي إلى طهران وأقام فيها عدة سنوات، وتأثر بالنموذج الإيراني وبأفكار الخميني، واعتقد بإمكانية إحياء مفهوم الولاية في اليمن.

واتهم عدد من فقهاء الزيدية، بمن فيهم بعض مؤسسي حركة الشباب المؤمن، الحوثيين بالخروج عن المدرسة الزيدية التقليدية واستيراد بعض أفكار الاثني عشرية، أو بالتشدد في تبني بعض مفاهيمها. كما وجه محمد بن عبد العظيم الحوثي انتقادات حادة للجماعة، معتبراً أنها انحرفت عما وصفه بمذهب آل البيت.

ورغم تصريحات الحوثيين بأنهم لا يؤمنون بالأئمة الاثني عشر المعصومين ولا بالإمام المهدي الغائب وفق المفهوم الاثني عشري، وأنهم يرفضون بعض المعتقدات المرتبطة بهذا المذهب، فإن إحياءهم لمناسبات مثل عيد الغدير وذكرى عاشوراء دفع بعض الباحثين إلى اعتبار ذلك مؤشراً على تقارب فكري مع المدرسة الاثني عشرية.

وشارك الحوثيون في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، كما سلّمت الحكومة اليمنية رفات حسين بدر الدين الحوثي إلى أسرته عام 2013، بعد نحو تسع سنوات من مقتله. وخلال فترة الحوار الوطني تعرض عدد من الشخصيات السياسية المرتبطة أو المقربة من الجماعة لعمليات اغتيال أو محاولات اغتيال وسط اتهام للحوثيين في جرائم الاغتيال نتيجة اعتقادها بأنها لا تنسجم مع رؤيتها السياسية والفكرية القائمة على ولاية الفقيه .

وفي السنوات الأخيرة، حشدت جماعة الحوثي مختلف إمكاناتها المالية والإعلامية لتنظيم مهرجانات وأمسيات ثقافية وفعاليات جماهيرية واسعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بهدف الترويج لما تسميه “يوم الولاية” أو “عيد الغدير”.

وبحسب مصادر أكاديمية، فإن الاحتفاء بيوم الغدير في اليمن والعراق ولبنان يُنظر إليه بوصفه امتداداً للأفكار السياسية التي رافقت الثورة الإيرانية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.

وارتبطت فكرة “يوم الولاية” بالصراع السياسي والعسكري الذي شهدته اليمن خلال العقود الماضية، بدءاً من حروب صعدة مروراً بالأحداث التي شهدتها محافظات عدة، وصولاً إلى سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة أواخر عام 2014، معتبرين أن الهدف النهائي يتمثل في حصر السلطة والحكم في سلالة بعينها، وهو ما تنفيه الجماعة وتقدمه ضمن إطار ديني وسياسي مختلف.
وشارك الحوثيون في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، كما سلّمت الحكومة اليمنية رفات حسين بدر الدين الحوثي إلى أسرته عام 2013، بعد نحو تسع سنوات من مقتله. وخلال فترة الحوار الوطني تعرض عدد من الشخصيات السياسية المرتبطة أو المقربة من الجماعة لعمليات اغتيال أو محاولات اغتيال وسط اتهام للحوثيين في جرائم الاغتيال نتيجة اعتقادها بأنها لا تنسجم مع رؤيتها السياسية والفكرية القائمة على ولاية الفقيه .

وفي السنوات الأخيرة، حشدت جماعة الحوثي مختلف إمكاناتها المالية والإعلامية لتنظيم مهرجانات وأمسيات ثقافية وفعاليات جماهيرية واسعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، بهدف الترويج لما تسميه “يوم الولاية” أو “عيد الغدير”.

وبحسب مصادر أكاديمية، فإن الاحتفاء بيوم الغدير في اليمن والعراق ولبنان يُنظر إليه بوصفه امتداداً للأفكار السياسية التي رافقت الثورة الإيرانية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي.

وارتبطت فكرة “يوم الولاية” بالصراع السياسي والعسكري الذي شهدته اليمن خلال العقود الماضية، بدءاً من حروب صعدة مروراً بالأحداث التي شهدتها محافظات عدة، وصولاً إلى سيطرة الجماعة على مؤسسات الدولة أواخر عام 2014، معتبرين أن الهدف النهائي يتمثل في حصر السلطة والحكم في سلالة بعينها، وهو ما تنفيه الجماعة وتقدمه ضمن إطار ديني وسياسي مختلف.
 


قراءة الخبر كامل من المصدر