المشهد اليمني – تقرير أمريكي صادم: إيران تُدخل السودان إلى “محور المقاومة” عبر الحوثيين
في تطوّر يُرسل إشارات قلق إلى دوائر الاستخبارات الغربية، كشف تقرير حديث نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية عن تمدد غير مسبوق لشبكات “محور المقاومة” المدعومة من طهران نحو السودان، حيث بات الحوثيون أداة رئيسية لنقل الخبرات العسكرية وتدريب فصائل إسلامية داخل القوات المتحالفة مع الجيش السوداني.
ويفتح هذا التقرير، الصادر في ظل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، نافذة على أبعاد جديدة للتدخل الإيراني في شرق إفريقيا، إذ يضع السودان ضمن ساحات نشاط متقدمة للشبكات المرتبطة بالحرس الثوري، في وقت يتجاوز فيه التعاون مجرد إمدادات السلاح والطائرات المسيّرة إلى نقل الخبرات التقنية والعسكرية مباشرة إلى فصائل محلية.
وتكتسب هذه المعلومات بعداً استراتيجياً بالغ الأهمية، نظراً للموقع الجغرافي الفريد للسودان على ضفاف البحر الأحمر، إضافة إلى العلاقات التاريخية العميقة التي ربطت الحركة الإسلامية السودانية بإيران والحرس الثوري خلال حقبة حكم الرئيس السابق عمر البشير.
من اليمن إلى بورتسودان.. الحوثيون “مدرّبون” في السودان
وفقاً لما أورده تقرير “فورين أفيرز”، فإن الحوثيين الذين راكموا خلال سنوات الحرب في اليمن خبرة واسعة في تصنيع الطائرات المسيّرة والأسلحة الإيرانية وتشغيلها، باتوا جزءاً من شبكة أكثر اتساعاً لنقل هذه القدرات إلى جماعات أخرى خارج حدود اليمن.
ويبرز السودان في هذا السياق كإحدى الساحات الجديدة لهذه الشبكة، وهو ما يتطابق مع تقرير بحثي حديث صادر عن “سنتشري إنترناشونال”، الذي تحدث بصورة مفصلة عن وجود متزايد لعناصر حوثية في بورتسودان ومناطق أخرى من السودان.
ونقل التقرير البحثي عن مسؤولين إقليميين وغربيين قولهم إن عناصر حوثية وصلت إلى السودان لتدريب فصائل إسلامية متحالفة مع الجيش السوداني على تصنيع الطائرات المسيّرة واستخدامها، إلى جانب عناصر من الحرس الثوري الإيراني.
وأشار التقرير إلى أن هذه المخاوف بدأت تتصاعد خلال عام 2025 واستمرت خلال عام 2026، وسط مؤشرات على تعمق العلاقة بين الحوثيين وشبكات إسلامية محددة داخل القوات المتحالفة مع الجيش، ما يعني تحولاً محتملاً في طبيعة التدخل الإيراني من تزويد الجيش بأنظمة عسكرية جاهزة إلى توطين المعرفة والخبرة اللازمتين لتصنيع الأسلحة وتشغيلها داخل السودان نفسه.
“سفروق” السودانية.. صورة طبق الأصل عن “أبابيل” الإيرانية
من أبرز المؤشرات التي أوقف عندها التقرير البحثي ظهور طائرة مسيّرة سودانية جديدة تحمل اسم “سفروق”، كشفت عنها منظومة الصناعات الدفاعية السودانية خلال معرض دفاعي أقيم في إسطنبول في يوليو 2025.
ولاحظ خبراء أسلحة تشابهاً كبيراً بين تصميم “سفروق” والطائرة الإيرانية “أبابيل-T”، وهو ما يكتسب أهمية إضافية لأن الحوثيين يمتلكون خبرة طويلة في تصنيع نسخة مشتقة من “أبابيل” تُعرف لديهم باسم “قاصف-2K”.
وتشير مقارنة نشرها تقرير “سنتشري إنترناشونال” بين الطائرتين إلى تقارب كبير في التصميم الخارجي، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت الخبرات التي طورها الحوثيون في اليمن يجري نقلها حالياً إلى السودان، خصوصاً في ظل المعلومات المتعلقة بوجود مدربين حوثيين وعناصر من الحرس الثوري يعملون مع الفصائل الإسلامية المتحالفة مع الجيش.
ممر أحمر جديد.. أسلحة إيرانية عبر البحر
لا تقتصر المعلومات على التدريب، فوفقاً للتقرير البحثي، يُعتقد أن الحرس الثوري الإيراني استخدم الحوثيين أيضاً في إرسال شحنات من الأسلحة الخفيفة إلى بورتسودان، ما يشير إلى نشوء ممر جديد عبر البحر الأحمر يربط شبكات إيران في اليمن بحلفائها في السودان.
ويمنح الموقع الجغرافي للبلدين هذا المسار أهمية استراتيجية كبيرة، إذ لا يفصل الساحل السوداني عن مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن سوى البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويشير التقرير إلى أن شحنات الأسلحة والطائرات الإيرانية ربما لعبت دوراً مهماً في دعم الجيش خلال مراحل حرجة من الحرب، وصولاً إلى العمليات التي انتهت باستعادة الخرطوم خلال عام 2025.
الإسلاميون يعودون عبر بوابة الحرب
يتزامن تعمق العلاقة مع إيران مع تصاعد دور الفصائل الإسلامية في الحرب السودانية. وأظهرت تقارير دولية أن آلاف المقاتلين المرتبطين بالحركة الإسلامية ونظام البشير السابق انخرطوا في القتال إلى جانب الجيش منذ اندلاع الحرب.
وتُعد كتيبة البراء بن مالك واحدة من أبرز هذه التشكيلات، وقد شاركت بصورة واسعة في معارك الخرطوم والجزيرة ومناطق أخرى.
ونقلت وكالة “رويترز” عن قيادات إسلامية ومسؤولين ومصادر متعددة أن الحرب أتاحت للحركة الإسلامية فرصة العودة إلى المشهد بعد سقوط نظام البشير في أبريل 2019، وأن مقاتلين مرتبطين بها لعبوا دوراً محورياً في العمليات العسكرية إلى جانب الجيش.
نموذج “محور المقاومة” يتطور
يشير تقرير “فورين أفيرز” إلى تحول طرأ على طبيعة “محور المقاومة”، إذ لم تعد إيران وحدها المصدر المباشر للسلاح والتدريب، بعدما اكتسبت الجماعات التي دعمتها طهران على مدى عقود خبرات وقدرات تسمح لها بنقل التكنولوجيا والتدريب إلى جماعات أخرى.
ويمثل الحوثيون أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. فبعد سنوات من تلقي الأسلحة والتدريب والخبرات الإيرانية، راكمت الجماعة اليمنية خبرة كبيرة في تصنيع المسيّرات والصواريخ وتشغيلها، لتتحول تدريجياً إلى جهة قادرة على نقل هذه الخبرات إلى أطراف أخرى.
وفي الحالة السودانية، تشير المعطيات إلى أن الفصائل الإسلامية المتحالفة مع الجيش هي المستفيد المحتمل من هذا النموذج الجديد.
مخاطر تتجاوز الحرب
يثير تدريب الفصائل الإسلامية على تصنيع المسيّرات وتشغيلها تساؤلات تتجاوز مسار الحرب الحالية، وتتعلق بشكل الدولة والمؤسسة العسكرية بعد توقف القتال.
فنقل تكنولوجيا تصنيع الأسلحة إلى تشكيلات ذات خلفية أيديولوجية يمكن أن يمنحها قدرات عسكرية مستقلة يصعب تفكيكها مستقبلاً، ويعزز قدرتها على الاحتفاظ بنفوذ سياسي وأمني حتى بعد انتهاء الحرب.
كما أن وجود شبكات مرتبطة بإيران والحوثيين على الساحل السوداني يضيف بعداً إقليمياً أكثر حساسية، في ظل الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر والتوترات المستمرة في المنطقة.
وتكشف الصورة التي يرسمها تقرير “فورين أفيرز”، مدعومة بتقارير دولية وبحثية أخرى، عن تحول لافت: لم يعد السودان مجرد وجهة للسلاح والمسيّرات الإيرانية، بل قد يصبح ساحة لنقل وتوطين الخبرة العسكرية التي بنت بها إيران حلفاءها المسلحين في الشرق الأوسط.
وفي قلب هذا التحول تقف الفصائل الإسلامية المتحالفة مع الجيش، التي تشير المعلومات إلى تلقي بعضها تدريباً على تقنيات المسيّرات عبر شبكة تمتد من الحرس الثوري الإيراني إلى الحوثيين في اليمن، في تطور قد تكون تداعياته على السودان والبحر الأحمر أبعد بكثير من الحرب الحالية.