قراءة في خطاب الرئيس الزُبيدي بذكرى عيد الجيش الجنوبي

حينَ تصعدُ الكلماتُ إلى منصّاتِ الذكرى، لا تصعدُ وحدَها؛ بل يصعدُ معها وجهُ التاريخِ كلِّهِ، وجراحُ الجغرافيا، وذاكرةُ الرجالِ الذينَ صنعوا من العدمِ سيفًا، ومن الرمادِ رايةً. وفي عصرِ هذا اليومِ، وفي ساحةِ العروضِ حيثُ تلتقي عيونُ الجنوبِ بسماءٍ طالما اعتادتْ أن تمطرَ رصاصًا ودموعًا، تقف قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي لتطلقَ كلمتَهُا في الذكرى الخامسةِ والخمسينَ لتأسيسِ الجيشِ الجنوبيِّ، لا بوصفِها احتفاءً عاديًّا يُطوى مع ساعاتِ النهارِ، بل بوصفِها وثيقةً سياسيةً مكثّفةً، صيغتْ بلغةِ الاستنهاضِ والتحذيرِ معًا، ووُجّهتْ إلى شعبٍ يقرأُ في كلِّ ذكرى فصلًا من سفرِ وجودِهِ الممتدِّ على حدِّ السكينِ.

ولم تكنْ كلمةُ الرئيسِ الزبيدي ليلة أمس خطابًا يُلقى ليمضي، بل كانتْ خريطةً تُبسطُ على طاولةِ الإقليمِ والدولِ الكبرى، تحملُ في تضاريسِها رسائلَ متعدّدةَ الطبقاتِ: رسالةً إلى الشعب الجنوبي المحتشد في ساعة العروض الذي خرج؛ ليبحثُ عن ظلٍ لمشروعه التحرري في مرايا الدولةِ، ورسالةً إلى الخارجِ الذي لطالما نظرَ إلى الجنوبِ بعينٍ واحدةٍ، فأغفلَ نصفَ الحقيقةِ، وربّما أكثرَ.

ومن هنا فالرئيس الزبيدي اختارَ لخطابه لحظة تاريخية في مناسبة خالدة وكان اختار تلك اللحظة بعنايةِ من يعرفُ أنَّ للكلمةِ في السياسةِ مفعولَ الرصاصِ حينَ تُحسنُ التصويبَ، فجاءتْ عباراتُهُ كأنّها ضرباتٌ مدروسةٌ على أوتارِ الذاكرةِ الجمعيةِ لجنوبٍ لم ينسَ، ولن ينسى، كيفَ اغتيلَ جيشُهُ الأولُ في صيفِ العامِ الرابعِ والتسعينَ، وكيفَ نُثِرَ أبناؤُهُ بينَ منفىً وسجنٍ وقبرٍ بلا شاهدٍ.

وفي استحضاره لتاريخِ الجيشِ الجنوبيِّ الباسلِ، لم يكنْ الرئيسُ يمارسُ طقسًا من طقوسِ الحنينِ إلى الماضي، بل كانَ يزرعُ في تربةِ الحاضرِ بذورَ شرعيةٍ لا تذبلُ؛ شرعيةُ الدمِ الذي سالَ في معاركَ التحريرِ، وشرعيةُ التضحيةِ التي لم تتوقفْ منذُ أن رفعَ الجنوبُ رايتَهُ الأولى في وجهِ العاصفةِ. ومن هنا جاءت كلمة الرئيس الزبيدي لتربطَ بينَ الجيشِ المؤسَّسِ قبلَ خمسةٍ وخمسينَ عامًا، والجيشِ الحديثِ الذي انبثقَ من رحمِ المقاومةِ الجنوبيةِ، فأصبح ما قال به ليسَ تسويقًّا بلاغيًّا، بل هو استراتيجيةُ خطابٍ تهدفُ إلى ترسيخِ فكرةِ الاستمراريةِ التاريخيةِ، وإسقاطِ أيِّ محاولةٍ لتصويرِ القواتِ الجنوبيةِ الحاليةِ بوصفِها كيانًا طارئًا على المشهدِ، أو ميليشيا لا تملكُ جذورًا في وجدانِ الشعبِ.

والتكامل في كلمةُ الزبيدي يجدها حافلةً بإشاراتٍ بالغةِ الدلالةِ، من أبرزِها حديثُهُ عن الانتشارِ المنظّمِ في حضرموتَ والمهرةِ، وما رافقَهُ من ضربٍ لأوكارِ الإرهابِ، وقطعٍ لطرقِ التهريبِ، وتأمينٍ للملاحةِ الدوليةِ. وهنا، تحديدًا، تتجسدُ البراعةُ السياسيةُ في تحويلِ الإنجازِ العسكريِّ إلى رسالةٍ إقليميةٍ ودوليةٍ واضحةِ المعالمِ: نحنُ لسنا مجردَ طرفٍ محليٍّ يبحثُ عن موقعٍ تحتَ الشمسِ، بل نحنُ شريكٌ قادرٌ على صناعةِ الأمنِ في واحدةٍ من أكثرِ مناطقِ العالمِ اضطرابًا واضطرامًا. وتأتي الإشارةَ منه إلى حمايةِ الملاحةِ الدوليةِ ولم تأتِ عبثًا، بل جاءتْ لتذكيرِ العواصمِ الكبرى بأنَّ استقرارَ الممراتِ المائيةِ الحيويةِ، وضمانَ تدفقِ الطاقةِ، وأمنَ التجارةِ العالميةِ، كلَّها ملفاتٌ لا يمكنُ ضبطُها دونَ التعاملِ الجادِّ مع الجنوبِ وقواتِهِ المسلحةِ بوصفِهما جزءًا من الحلِّ، لا جزءًا من المشكلةِ.

غيرَ أنَّ الوجهَ الآخرَ للكلمةِ كانَ أكثرَ قتامةً وأشدَّ وقعًا، حينَ كشفَ الرئيسُ عن عمليةِ نسفٍ ممنهجةٍ لذلكَ الإنجازِ الاستراتيجيِّ، عبرَ استهدافِ القواتِ الجنوبيةِ بالطيرانِ وإجبارِها على تركِ مواقعِها، بما أتاحَ عودةَ التنظيماتِ الإرهابيةِ إلى أوكارِها من جديدٍ. وهو في هذهِ الجزئيةِ بالذاتِ، تكمنُ رسالةٌ مشفّرةٌ إلى المجتمعِ الدوليِّ مفادُها أنَّ هناكَ من يعملُ، بإصرارٍ وعنادٍ، على تقويضِ كلِّ جهدٍ يبذلُهُ الجنوبُ في مكافحةِ الإرهابِ، وأنَّ القوى التي يُفترضُ أن تكونَ حليفةً في الحربِ على التطرفِ، قد تكونُ في الواقعِ شريكةً في إعادةِ إنتاجِهِ، أو على الأقلِّ متواطئةً مع من يعيدُ إنتاجَهُ. وهذا الخطاب في كلمته جاء حمَّال دلالة في لغة تلميحية التي لم تفهمُها إلا السياقات الدبلوماسيةُ جيدًا، والتي تضعُ المجتمعَ الدوليَّ أمامَ مسؤولياتِهِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ، دونَ الحاجةِ إلى اتهاماتٍ مباشرةٍ قد تُفسدُ العلاقاتِ أو تُحرجُ الحلفاءَ.

أمّا الرسالةُ الداخليةُ فكانتْ واضحةً في تأكيدِهِ أنَّ القواتِ المسلحةَ الجنوبيةَ ستظلُّ الحصنَ المنيعَ والسياجَ الحصينَ للذودِ عن الجنوبِ، وحمايةِ أرضِهِ وتأمينِ حدودِهِ. وهذهِ العباراتُ، وإنْ بدتْ تقليديةً في ظاهرِها، إلا أنّها تحملُ في سياقِ اللحظةِ الراهنةِ معنىً أبعدَ من مجردِ التعبئةِ المعنويةِ؛ فهي إعلانٌ صريحٌ بأنَّ الجيشَ الجنوبيَّ لن يكونَ أداةً في أيدي القوى الإقليميةِ المتنافسةِ على حساب قضية شعب الجنوب، ولن يُزجَّ بهِ في معاركَ لا تخدمُ المشروعَ الوطنيَّ الجنوبيَّ، مهما كانتِ الإغراءاتُ أو الضغوطُ. إنَّ الحديثَ عن تحقيقِ تطلعاتِ الشعبِ في ختامِ خطاب كلمته يربطُ بشكلٍ عضويٍّ بينَ المؤسسةِ العسكريةِ والمشروعِ السياسيِّ، ويحوّلُ الجيشَ من مجردِ قوةٍ قتاليةٍ إلى حارسٍ أمينٍ لإرادةِ شعبٍ قررَ أن يستعيدَ كيانَهُ المسلوبَ.

وتبقى اللحظةُ الأكثرُ رمزيةً في الكلمةِ حينَ وجّهَ الرئيسُ تحيتَهُ إلى أشاوسِ قواتِنا المسلحةِ الجنوبيةِ المرابطينَ في ميادينِ العزةِ والكرامةِ، ففي هذهِ التحيةِ اعترافٌ ضمنيٌّ بأنَّ المعركةَ لم تنتهِ بعدُ، وأنَّ الرباطَ على الثغورِ ما زالَ مستمرًّا، وأنَّ السلامَ المنشودَ في الجنوبِ لا يمكنُ أن يتحققَ دونَ ظهيرٍ مسلحٍ يحمي مكتسباتِ الشعبِ ويمنعُ عودةَ الاحتلالِ بأيّ شكلٍ من الأشكالِ. وجاءت هذه التحية لمن يعرفُ أنَّ بناءَ الدولِ يبدأُ من بندقيةِ الجنديِّ، وينتهي عندَ رفاهيةِ المواطنِ، وأنَّ بينَ النقطتينِ مسافةً طويلةً من التضحياتِ التي لا تُحصى ولا تُروى.

وفي قراءةٍ متأنيةٍ للكلمةِ بأكملِها، نجدُ أنَّ الرئيسَ الزبيدي نجحَ في صياغةِ خطابٍ يحملُ في طياتِهِ ثلاثَ رسائلَ متوازيةً: رسالةُ تحدٍّ للخصومِ، ورسالةُ تطمينٍ للحلفاءِ، ورسالةُ استنهاضٍ للجماهيرِ؛ غيرَ أنَّ السؤالَ الذي يظلُّ معلقًا في الفضاءِ بعدَ انتهاءِ الاحتفالِ هو: هل تكفي الكلماتُ وحدَها لتحريكِ المياهِ الراكدةِ في مستنقعِ السياسةِ الإقليميةِ؟ وهل ستلتقطُ العواصمُ المعنيةُ إشاراتِ الزبيدي، أم ستستمرُّ في سياسةِ غضِّ الطرفِ عن حقيقةٍ صارتْ واضحةً كالشمسِ وهي: أنَّ الجنوبَ قد تجاوزَ مرحلةَ التسولِ السياسيِّ، ودخلَ مرحلةَ بناءِ الدولةِ الفعليةِ، وأنَّ جيشَهُ الذي يحتفلُ اليومَ بذكراهُ الخامسةِ والخمسينَ ليسَ مجردَ ذكرى تُستعادُ، بل واقعٌ يفرضُ نفسَهُ على الأرضِ، ويطرقُ أبوابَ المستقبلِ بقبضةِ من لا يقبلُ القسمةَ على اثنينِ؟

وبهذا جاء ما قالَهُ الرئيسُ الزبيدي ليلة أمس لم يكنْ كلامًا عابرًا في أذنِ الريحِ، بل كانَ بيانًا سياسيًّا مكثّفًا يعيدُ تموضعَ الجنوبِ في خريطةِ التوازناتِ الإقليميةِ، ويذكّرُ العالمَ بأنَّ أبناءَ هذا الجنوبِ، الذينَ صمدوا خمسةً وخمسينَ عامًا في وجهِ الأعاصيرِ، لا يزالونَ قادرينَ على صناعةِ المفاجآتِ، وقلبِ الموازينِ، وكتابةِ تاريخٍ جديدٍ بمدادٍ لا يمحى.

📖 قراءة الخبر كامل من المصدر