“أبعد من الحرب بقليل”.. لليمن قصة أخرى
حضرموت – إكرام فرج
في أزقة المدن التي أنهكتها سنوات الصراع، لا تتوقف الحرب عند حدود الدمار المادي، بل تمتد لتفتك بالروابط الاجتماعية. وتخلق عزلةً نفسيةً تجعل التواصل مجرد رفاهية مؤجلة.
غير أن حضرموت تقود اليوم تحولًا مغايرًا، حيث تشهد الفعاليات الثقافية والفنية إعادة تعريفٍ لدورها. متحولةً من مجرد أنشطة ترفيهية إلى أدوات للتداوي النفسي من الحرب، واستعادة الذاكرة الفنية والثقافية. وترسيخ الهوية الوطنية في مواجهة التهميش والشتات.
ويتجلى هذا التحول في معرض “أبعد من الحرب بقليل”، الذي احتضنته مدينة المكلا كمحطة أولى، قبل أن ينطلق في جولةٍ تشمل سيئون، عدن، وتعز. فالمعرض ليس مجرد حدثٍ عابر، بل تتويج ختامي لمشروع المناصرة الثقافية الذي تنفذه مؤسسة حضرموت للثقافة، بالشراكة مع منظمة “اليونسكو”، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي.
وجه آخر لليمن
شباب وفتيات يسعون إلى تفكيك الصراع عن طريق الفن والثقافة، متجاوزين المعارض النمطية والتقليدية للعروض الفنية. وتوظيف التكنولوجيا الحديثة والسرد التفاعلي لخلق مساحاتٍ آمنةٍ للحوار والتواصل الاجتماعي، وإظهار وجهٍ مغايرٍ لليمن بعيدًا عن الحرب.
جانب من معرض “أبعد من الحرب بقليل” في المكلا
وحول ذلك، يتحدث مدير برامج ومشاريع قسم الموسيقى بمؤسسة حضرموت للثقافة، ضابط المتابعة والتقييم بالمشروع، علي باصمد، لـ”المشاهد“، حول المشروع. ويقول: “إن المعرض انطلق من قناعةٍ بأن الحرب ليست القصة الوحيدة التي تستحق أن تروى عن اليمن”.
وأضاف: “أردنا تقديم مساحةٍ يلتقي فيها الفن مع التكنولوجيا والمضمون الإنساني؛ للتأكيد على أن الثقافة وسيلة لبناء التفاهم والتماسك المجتمعي”.
الحصاد الثقافي والفني للمشروع
باصمد كشف حصاد المشروع الذي شارك فيه 207 مستفيدين من الشباب والمختصين، أنتجوا 12 فيلمًا بتقنية الواقع الافتراضي (VR).
كما ابتكر المشاركون 5 ألعاب ثقافية، و70 عملًا فنيًا مستوحى من مقالاتٍ صحفية، و20 محتوى مرئيًا، و20 جدارية. بالإضافة إلى دراستين بحثيتين وورقة سياسات، بمشاركة 70 فنانًا تشكيليًا ورسام “كوميكس”، و20 فنان جداريات لرسم المعالم.
لغة الإشارة كحالة تفاعلية
من بين النماذج التفاعلية التي استوقفت زوّار المعرض، تبرز لعبة “الحليم تكفيه الإشارة”، وهو مشروع ابتكره فريق شبابي. يكمن الهدف منه بإدماج فئة الصم والبكم في المجتمع، بطريقةٍ تجمع بين المتعة والتعلم.
ألعاب وأفلام من إنتاج شباب ومختصين تروي قصة الحرب بطريقة مغايرة
تقول إحدى عضوات فريق “فكرة”، شيماء بابعير: “إن الحرب أثّرت بشكل عميق على العلاقات الاجتماعية، ولاحظنا وجود فجوةٍ كبيرة في التواصل بين فئة الصم وبقية أفراد المجتمع”.
وأضافت بابعير لـ”المشاهد”: “أردنا جعل تعلم لغة الإشارة تجربةً تفاعليةً وبسيطة؛ تكسر حاجز الخوف أو الخجل. واخترنا قالب اللعبة اللوحية ليعيش الزائر التجربة بنفسه بدلًا من تلقي المعلومات بشكل مباشر”.
بابعير أشارت إلى أن اللعبة لفتت انتباه الناس إلى فئةٍ تواجه التهميش المضاعف. ونقل رسالةٍ مفادها أن الاختلاف في طريقة التواصل لا يعني الاختلاف في القيمة الإنسانية.
لم يتوقف هذا المسعى عند حد العرض فقط، بل أظهرت تجربة الزوار أثرًا نفسيًا فوريًا. حيث اهتم المشاركون باللعبة ومارسوها بشغف، وانتابهم الفضول لمواصلة تعلم لغة الإشارة؛ ما اعتبره القائمون على العمل النجاح الأكبر.
معالجة قضايا مرتبطة بالحرب
وعلى جبهةٍ لا تقل أهمية، تأتي اللعبة الرقمية “قبل الجرس”؛ لتشرح تفاصيل الحياة اليومية لطالبٍ يمني يواجه عقبات الطريق نحو مدرسته. وتطرح اللعبة التسرب المدرسي كحصيلة ضغوطٍ معقدة أنتجتها ظروف الحرب.
زوّار المعرض عايشوا قصص الحرب وتبعاتها
يشرح كاتب وسيناريست اللعبة، علاء عبدات، لـ”المشاهد” دوافع العمل الذي حرّكه نحو إنتاج هذه اللعبة. موضحًا أن الطريق إلى المدرسة بحد ذاته أصبح تحديًا يوميًا لملايين الطلبة اليمنيين في سنوات الحرب. كما يرى أن ثمة أطفالًا يتركون مقاعد الدراسة ليس كرغبة، بل تحت وطأة الفقر ومسؤوليات الإعالة المبكرة، كإحدى تبعات الحرب.
وأراد عبدات من خلال الألعاب الرقمية والسرد التفاعلي إشعار زائري المعرض بالمشكلة والعيش معها، بدلًا من أن الاكتفاء بسماع أرقامها. وتحدث عبدات عن التحديات الفنية، معتبرًا أن التحدي الأكبر تمثل في تحويل قضيةٍ معقدة إلى تجربةٍ تفاعلية ممتعة دون إفراغها من مضمونها الإنساني. معتمدًا على عناصر البيئة المحلية ليشعر اللاعب، الممارس للعبة، بقرب القصة منه.
إقبال وتفاعل جماهيري لافت في معرض “أبعد من الحرب بقليل” بالمكلا
وترك هذا الأسلوب السردي أثرًا عميقًا لدى الحاضرين. فخلال إحدى جلسات قياس الأثر عقب التجربة، قادت المداخلات طفلةً من المشاركات للتعبير عن امتنانها الآن لأنها قادرة على الذهاب إلى مدرستها كل يومٍ بسهولة. ما توّج الرسالة التي أراد صناع اللعبة إيصالها نتيجة معاناة كل طفل ترك المدرسة؛ بسبب الحرب؛ كونه حلم كان يستحق فرصة.
الفن كجسر للتعافي المستدام
لا يزعم القائمون على معرض “أبعد من الحرب بقليل” أن الفن قادر بمفرده على إنهاء التبعات الاقتصادية أو الإغاثية للحرب. لكنهم يراهنون على قدرته الاستثنائية في بناء الإنسان من الداخل.
فالتجربة التي تم تطبيقها في المكلا، استقطبت ما يقارب ألف زائر في أيامها الأولى. وأوضحت أن البيئات التي أرهقها الصراع أصبحت أشد احتياجًا لهذه المساحات المفتوحة، وأنها مساحات لا تقدم الفن بوصفه جمالاً مجردًا. بل أداةً لإعادة بناء التماسك الاجتماعي، وتفهم الآخر، واستعادة أصوات من صمتوا طويلًا تحت دوي الأحداث.