الجنوب ليس المشكلة حتى ينبغي احتواؤه؛ بل جزء من الحل الذي لا يمكن تجاوزه

حين تقترب النار من باب بيتك، لا يكفي أن تبحث عمّن أشعلها؛ الأهم أن تسأل: من ترك لها الطريق مفتوحًا؟ وهكذا تبدو اليمن جنوبًّا وشمالًا اليوم.

ما يجري على الساحل الغربي وفي محيط باب المندب لا يمكن اختزاله في تحول عسكري عابر؛ فهو يكشف هشاشة الحسابات السياسية التي تعاملت بها الرياض مع موازين القوة المحلية بوصفها أوراقًا قابلة لإعادة الترتيب، من دون إدراك أن إضعاف القوة الممسكة بالأرض كالقوات الجنوبية قد يفتح فراغًا لا ينتظر طويلًا حتى يملأه الخصم.

في هذا السياق، جاءت قراءة الكاتب والباحث الأمريكي مايكل روبين، المنشورة في منتدى الشرق الأوسط في 12 سبتمبر 2026؛ لتطرح تساؤلات حادة حول إدارة الرياض للملف اليمني شمالًا وجنوبًا، وتربط — في تقديره — بين إضعاف المجلس الانتقالي والقوى المناهضة للحوثيين وبين اختلال التوازن الذي سبق التطورات الأخيرة في الساحل الغربي.

ومن هنا فلا ينبغي التعامل مع هذه القراءة بوصفها حكمًا نهائيًا أو حقيقة مكتملة؛ فهي تقدير سياسي لكاتب له رؤيته ومواقفه وله خبرته في دهاليز السياسة الأمريكية؛ لكن قيمتها أنها تضع سؤالًا يستحق التوقف: ماذا يحدث عندما تُضعف قوة المجلس الانتقالي وقواته المسلحة التي كانت تمثل جزءًا من منظومة الردع، من دون بديل قادر على ملء الفراغ؟

وبهذا فالوقائع وحدها كافية لطرح السؤال، فقد كان الجنوب، خلال سنوات الحرب، أحد أهم ميادين المواجهة مع الحوثيين، وتشكلت فيه قوات محلية راكمت خبرة قتالية وأمنية واسعة، وأسهمت في حماية مساحات جغرافية واسعة ومنع تمدد الحوثيين جنوبًا. وعلى الساحل الغربي، كانت قوى محلية أخرى تؤدي دورًا في معادلة احتواء الحوثيين ومنع وصولهم إلى خطوط الملاحة الدولية، ثم بدأت موازين القوة تتغير.

وحين تراجعت بعض هذه الترتيبات، لم يختفِ الخطر؛ بل بحث عن ثغرة أخرى. وهنا تكمن المسألة: إذا كان إضعاف الجنوب لم ينتج استقرارًا، بل ساهم في اتساع الفراغ، فمن المنطقي أن يُعاد النظر في الفرضية التي قامت عليها سياسة الاحتواء أصلًا من قبل المملكة العربية السعودية؛ فالجنوب ليس المشكلة التي ينبغي عزلها داخل إطار أمني، بل المشكلة الحقيقية هي محاولة إدارة قضية سياسية عميقة بمنطق أمني ضيق. وهذه هي العقدة التي ينبغي أن تواجهها الرياض بوضوح: كيف يمكن مطالبة الجنوب بمواجهة الحوثيين وحماية الأرض والممرات البحرية، ثم التعامل مع قضيته السياسية بوصفها ملفًا مؤجلًا أو عبئًا ينبغي احتواؤه؟ وكيف يمكن مطالبة أبنائه بالتضحية دفاعًا عن أمن الإقليم، بينما يُترك مستقبلهم السياسي خارج معادلة التسوية؟

ومن منطلق السياسة الواقعية فهذه ليست شراكة متوازنة، بل معادلة مختلة تعمل عليها الرياض في الجنوب؛ فالجنوب ليس قوة عسكرية طارئة ظهرت مع الحرب، وليس تشكيلًا يمكن استدعاؤه عند الحاجة ثم تجاوزه سياسيًا عند انتهاء المعركة، بل الجنوب قضية شعب، وأرض، وإرادة، وتاريخ من التضحيات، وقوته العسكرية ليست منفصلة عن قضيته السياسية؛ بل هي، في جانب أساسي منها، نتاج تلك القضية وامتداد لإرادة أصحابها في الدفاع عن أرضهم ومستقبلهم. ومن هنا فإن اختزال الجنوب في وظيفة مكافحة الحوثي خطأ استراتيجي لا يقل خطورة عن محاولة إقصائه.

نعم، يستطيع الجنوب أن يكون شريكًا رئيسًا في مواجهة الحوثيين والإرهاب وتأمين الملاحة الدولية، لكن الشراكة الأمنية لا يمكن أن تكون بديلًا عن الشراكة السياسية، ولا يمكن أن يكون حارسًا لأمن المنطقة، ثم يُطلب منه أن يصمت عن حقه في صناعة مستقبله. هذه المعادلة انتهى عمرها السياسي.

وإذا كانت الرياض تريد بناء جبهة متماسكة في مواجهة الحوثيين، فعليها أن تدرك أن القوة لا تُنتج بالوصاية، وأن الاستقرار لا يُبنى بتهميش القوى ذات الحضور الشعبي والجغرافي والعسكري؛ فالجغرافيا لا تُدار من خارجها، والشرعية الشعبية لا تُصنع بقرارات فوقية، والقوة التي أثبتت وجودها في الميدان لا يمكن استبدالها بترتيبات سياسية لا تمتلك سندًا اجتماعيًا حقيقيًا.

والأهم أن الجنوب لا ينبغي أن يصبح ساحةً لحسابات الصراع بين الرياض وأبوظبي؛ فقضيته أكبر من خلافات العواصم وأعمق من صراع النفوذ الإقليمي، والمطلوب ليس أن يختار بين هذه العاصمة أو تلك، وإنما أن تقتنع العواصم جميعها بأن للجنوب مصلحة وطنية مستقلة، وأن استقراره لا يتحقق من دون معالجة سياسية عادلة لقضيته.

وهنا ينبغي أن تكون الرسالة واضحة: أمن باب المندب لا ينفصل عن أمن الجنوب. ومن يريد حماية الملاحة الدولية عليه أن يأخذ جغرافية الجنوب وقواه الفاعلة في الحسبان، ومن يريد مواجهة الحوثي عليه ألا يضعف القوى التي تقف في وجهه، ومن يريد استقرار الجزيرة العربية عليه أن يفهم أن الجنوب ليس عبئًا أمنيًا، بل أحد مفاتيح الاستقرار الإقليمي. أما التعامل معه بمنطق الاحتواء، فقد أثبتت التجربة أنه لا يلغي قضيته السياسية، ولا يضمن الاستقرار، ولا يمنع الخصوم من استغلال أي فراغ ينشأ عنها.

لقد كانت الفكرة التي حكمت بعض السياسات طوال سنوات هي أن قضية شعب الجنوب يمكن تأجيلها إلى ما بعد الحرب، لكن الحرب نفسها أثبتت أن تأجيل قضية شعب الجنوب لا يعني اختفاءها، وأن تجاهلها لا يلغي تأثيرها في الأمن والسياسة، بل إن كل محاولة لفصل الأمن عن السياسة تعيد إنتاج الأزمة بصورة أكثر خطورة.

لذلك تفرض اللحظة الراهنة على الرياض مراجعة عميقة لا للعلاقة مع طرف جنوبي بعينه فحسب، بل لمنهج التعامل مع الجنوب كله، فإذا كان المطلوب مواجهة الحوثي، فليكن الجنوب شريكًا، وإذا كان المطلوب حماية باب المندب، فليكن الجنوب شريكًا، وإذا كان المطلوب بناء استقرار طويل الأمد، فلتكن قضية الجنوب جزءًا أصيلًا من الحل السياسي، أما أن يُطلب من الجنوب أن يدافع عن أمن المنطقة بينما يُراد لقضيته أن تبقى خارج السياسة، فهذه معادلة لا تنتج سلامًا مستدامًا.

إن ما يحدث اليوم يجب ألا يدفع القيادة الجنوبية إلى الاكتفاء بتسجيل الاعتراض، بل إلى الانتقال نحو إعادة تعريف موقع الجنوب في المعادلة الإقليمية: من طرف يُراد احتواؤه إلى شريك ينبغي التفاهم معه؛ ومن ملف أمني مؤجل إلى قضية سياسية لا يمكن تجاوزها؛ ومن قوة تستخدم عند الضرورة إلى طرف أصيل في صياغة مستقبل المنطقة.

والرسالة التي يجب أن توصل إلى الرياض وتفهمها هنا ليست عدائية، لكنها حاسمة: إذا كان استقرار الجنوب مصلحةً إقليمية، فإن احترام إرادة شعبه ليس ترفًا سياسيًا، وإذا كانت قواته جزءًا من منظومة مواجهة الحوثي، فإن التعامل معها كأداة أمنية منزوعة الحق السياسي لن يصنع شراكةً دائمة.

لقد كشفت التطورات الأخيرة أن الفراغ لا يبقى فراغًا، وأن إضعاف قوة لا يعني بالضرورة ظهور قوة أفضل منها، وأن تجاهل الجغرافيا لا يغير حقائقها، ولهذا فإن السؤال لم يعد: كيف يمكن احتواء الجنوب؟ بل أصبح: كيف يمكن بناء شراكة عادلة معه قبل أن يصبح ثمن تجاهله أكبر من قدرة الجميع على احتماله؟

فالرياض تستطيع أن تؤجل الاعتراف السياسي، لكنها لا تستطيع تأجيل الجغرافيا، وتستطيع أن تعيد ترتيب النفوذ، لكنها لا تستطيع إلغاء إرادة شعب، وتستطيع أن تدير الأزمة بالضغط، لكنها لن تستطيع إدارة المستقبل من دون الجنوب.

لقد آن الأوان لأن تفهم الرياض أن الجنوب ليس المشكلة التي ينبغي احتواؤها، بل جزء من الحل الذي لا يمكن تجاوزه، ومن يريد مواجهة الحوثي حقًا، فعليه ألا يضعف الجنوب، ومن يريد حماية باب المندب، فعليه أن يحترم الجنوب، ومن يريد استقرار المنطقة، فعليه أن يعترف بأن استقرار الجنوب لا يُبنى فوق قضيته، بل بمعالجة قضيته.

وهذه ليست مطالبةً جنوبيةً عابرة، بل خلاصة السياسة والجغرافيا والوقائع؛ فالجنوب الذي يُراد له أن يكون جدارًا يحمي أمن المنطقة، لا يمكن أن يُعامل سياسيًا كحائط ينبغي تجاوزه.

📖 قراءة الخبر كامل من المصدر