المشهد اليمني – أزمة باب المندب تطرق أبواب باريس.. كيف تهدد حرب البحر الأحمر جيوب الأوربيين؟
من قلب العاصمة الفرنسية باريس، وسّعت وسائل الإعلام الأوربية نطاق متابعتها للملف اليمني، مُنتقلةً من زاوية الرصد العسكري المباشر إلى تحليل التداعيات الاقتصادية التي تمسّ جيب المواطن الغربي. وفي هذا السياق، سلّط برنامج تلفزيوني فرنسي بارز الضوء على المستجدات الجارية في مضيق باب المندب والتهديدات المستمرة التي تتلقاها حركة الملاحة الدولية، مبيّنًا وجود رابط مباشر بين التوترات الجيوستراتيجية في البحر الأحمر وبين التغيرات المتسارعة في أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والقوة الشرائية للأسر في أوروبا.
وبحسب ما أفاد به الدكتور خالد عبد الكريم، نقلاً عن المشهد اليمني في قراءة تحليلية للصحافة الأجنبية، فإن برنامج “C dans l’air” (الذي يترجم إلى “حديث الساعة”)، والمذاع عبر قناة “France 5″، خصص حلقة متكاملة لمناقشة ملف باب المندب تحت عنوان عريض: “باب المندب: مضيق آخر، والفخ نفسه”.
وأوضح المصدر أن الحلقة، التي أدارتها الإعلامية كارولين رو وامتدت لنحو 74 دقيقة، تعمقت في تفكيك خطورة التهديدات التي تطال حركة السفن والناقلات عبر هذا الشريان الحيوي، مشيرة إلى حجم الأضرار المركبة التي قد تلحق بأسواق الطاقة والتجارة العالمية جراء أي اضطراب مستدام في الملاحة.
وشارك في النقاش التحليلي نخبة من الخبراء، من بينهم الاقتصادي والأستاذ الجامعي فيليب ديسرتين، والصحفية المتخصصة في الشؤون المالية يارا رزق، والمراسلة الدولية باتريسيا أليمونيير، بالإضافة إلى الأستاذ الفخري ألان باور. واستعرضت الحلقة مجموعة من التقارير الميدانية المصورة والخرائط التفاعلية والبيانات الرقمية التي حللت سيناريوهات ارتفاع أسعار النفط والغاز وتأثيرها المباشر على ميزانية المواطن الفرنسي.
وأشارت البيانات التي عرضها البرنامج إلى أن نحو 12% من إجمالي التجارة العالمية تقطع عادة مضيق باب المندب والبحر الأحمر، بينما ترتفع هذه النسبة إلى قرابة 30% فيما يتعلق بسفن الحاويات الضخمة. هذه الأرقام نقلت النقاش التحليلي من إطار النزاع المحلي إلى مستوى الأزمة الاقتصادية الدولية.
وعلى صعيد الأبعاد الإقليمية، تناولت الحلقة علاقة الجماعة بإيران ودورها ضمن شبكة الحلفاء والتنظيمات الموالية لطهران في المنطقة، بما في ذلك الفصائل في لبنان وغزة والعراق. ووفقًا لما نقله مصدر مطلع، فإن التفاعل الجماهيري مع الحلقة شهد طرح أسئلة مباشرة من المشاهدين حول مدى استقلالية القرار العسكري في اليمن وعلاقته بالمرجعية الإيرانية.
كما أفاد المصدر المطلع بأن التساؤلات امتدت لتشمل احتمالات فرض نظام لتقنين استهلاك الديزل في فرنسا، وأسباب تأثر السوق الأمريكية بأسعار النفط، ومدى إمكانية اللجوء إلى خيارات عسكرية استباقية لحماية الممر المائي، إضافة إلى موقف الصين في حال تضرر اقتصادها القائم على الصادرات. ولم يغفل النقاش تقييم الخسائر المحتملة للاقتصاد المصري وقناة السويس، وفرص حدوث صدمة نفطية جديدة، وآليات وصول الدعم العسكري والأسلحة عبر خطوط الإمداد البحرية.
وفي بُعد عسكري آخر، سلط البرنامج الضوء على القواعد الفرنسية المتمركزة في جيبوتي ومدى جاهزيتها للتدخل حمايةً للملاحة الدولية. وأظهرت البيانات الفنية المعروضة حجم التواجد العسكري الفرنسي هناك، والذي يضم خمس طائرات من طراز M2000، وتسع مروحيات مقاتلة، وأربع طائرات نقل من طراز CASA، وتسع مدرعات AMX، إلى جانب نحو 1500 عنصر بين عسكريين ومدنيين تابعين لقطاع الدفاع.
وتكمن أهمية هذه التغطية الإعلامية—بحسب القراءة التحليلية—في قدرتها على ربط التطورات العسكرية في منطقة تبعد آلاف الكيلومترات عن باريس بالحياة اليومية للمواطن الأوربي، مؤكدة أن أزمة باب المندب لم تعد شأنًا إقليميًا محصورًا، بل قضية يمتد أثرها إلى أسعار السلع، وتكاليف التأمين والشحن، واستقرار أسواق الطاقة العالمية.