واقع السكان في “الساحل الغربي” بعد العاشر من سبتمبر
تعز – أسامة الكُربش & سعد عبد الله
في العاشر من سبتمبر الجاري أفاق السكان في مديريات غرب تعز (المخا، الوازعية، موزع) وجنوب الحديدة (حيس والخوخة) على وجوه جديدة. عربات عسكرية مخضبة بشعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل” تجوب الشوارع مع مسلحين بعضهم بزي عسكري وآخرين بزي مدني.
انتقل هذا الشريط الساحلي على البحر الأحمر الذي أصبح معروفا باسم “الساحل الغربي” من تحت سيطرة قوات موالية للحكومة المعترف بها دوليا تحت قيادة طارق صالح، نجل شقيق الرئيس الأسبق على عبدالله صالح، إلى قوات جماعة الحوثي، بعد عشر سنوات من حكم صالح بدعم من القوات المشتركة التي دعمتها الإمارات والسعودية.
أعلنت حكومة عدن المدعومة من السعودية في يناير 2017 السيطرة على مدينة المخا من قوات جماعة الحوثي والرئيس الأسبق صالح عندما كان صالح لا يزال في تحالف مع جماعة الحوثي. وأعلنت جماعة الحوثي السيطرة على المدينة نفسها في 10 سبتمبر بعد انسحاب القوات المناوئة لها باتجاه لحج وعدن.
لكن الأمر لا يتوقف عن إعلان السيطرة فقط. هناك وتيرة من الأعمال الإدارية والاقتصادية التي تجري على قدم وساق بهدف محو كل ما له صلة بالقوات التي كانت تحكم المخا. السكان الآن مشغولون بترتيب أوضاعهم تحت إدارة السلطات الجديدة والسلطات الجديدة تعقد لقاءات متواصلة مع أطراف إقليمية ودولية بهدف تطمين العالم بالتغيرات الخطيرة التي تمت على باب المندب، أحد شريان الملاحة التجارية للطاقة في البحر الأحمر.
وقبل ذلك موجة من النزوح، وصلت حتى 22 سبتمبر الجاري إلى حوالي 135 ألف شخصا منذ بدء التصعيد مطلع أغسطس الماضي، حسب “منظمة الهجرة الدولية“. وقالت المنظمة في نشرة تتبع إحصائيات النزوح ان 56% من النازحين انتقلوا إلى تعز، التي تعاني الأخرى من اشتباكات متقطعة بين القوات الحكومية ومسلحي جماعة الحوثي الذين يسعون إلى إحكام الحصار على المدينة من الجهة الجنوبية التي تربطها بلحج وعدن.
انفوغرافك مصمم بمساعدة الذكاء الاصطناعي يوضح مستجدات النزوح في غرب تعز
وكانت وكالة “رويترز” قد نقلت في منتصف يوليو الماضي عن ثلاثة مصادر طلب إيران من جماعة الحوثي الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب في حال شنت الولايات المتحدة الأمريكية هجوما على منشآت الطاقة الإيرانية.
خريطة تقريبية توضح مناطق السيطرة بين جماعة الحوثي والقوات الحكومية من تصميم المشاهد
استبدال عملة مركزي عدن في المخا
أفادت موقع إخباري في صنعاء أن البنك المركزي في صنعاء، الخاضع لسيطرة جماعة الحوثي، تلقى طلبات لترحيل مبالغ من العملة المحلية المطبوعة من قبل البنك المركزي في عدن، في مناطق المخا ومديريات الساحل الغربي، تجاوزت قيمتها 60 مليار ريال. وتحظر جماعة الحوثي تداول العملة المحلية المطبوعة من قبل مركزي عدن منذ نهاية 2019.
وبحسب المصادر، التي تقل عنها موقع “بقش” وهو موقع مهتم بالأخبار الاقتصادية والنقدية في اليمن، فإن طلبات مؤسسات مالية وشركات تجارية عاملة في المديريات الساحلية التابعة لمحافظتي تعز والحديدة، وصلت البنك المركزي في صنعاء، فيما لا تزال عملية تقديم الطلبات مستمرة، وسط توقعات بارتفاع إجمالي المبالغ خلال الأيام المقبلة.
وكان القائم بأعمال محافظ تعز في حكومة جماعة الحوثي في صنعاء أعلن في 12 سبتمبر الجاري أن البنك المركزي في صنعاء تسلّم مقر البنك المركزي في مدينة المخا، وبدأ التواصل مع الصرافين لتنفيذ عملية استبدال العملة المتداولة هناك بالعملة القديمة، وفق ما أورده مرصد بقش الاقتصادي. وللمفارقة فإن انقسام اليمن بين سلطة جماعة الحوثي والحكومة المعترف بها دوليا تحت إمرة مجلس القيادة الرئاسي جعل كل سلطة منهما تعين محافظا لكل محافظة حتى ولو كانت هذه المحافظة ليست تحت سيطرة قواته.
ويرتبط استبدال العملة الحالي في المخا بالانقسام النقدي القائم في اليمن، إذ تتعامل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة بالطبعات الجديدة من العملة المحلية، في حين تعتمد المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي على الإصدارات القديمة من الريال اليمني.
ويرى الباحث الاقتصادي حلمي الحمادي أن استبدال العملة في المناطق التي تغيرت السيطرة عليها لا يمثل مجرد تغيير لشكل الأوراق النقدية، وإنما يطرح مشكلة تتعلق بحجم السيولة المتاحة وقدرة السوق على استيعاب عملية الاستبدال.
وقال الحمادي في حديث مع “المشاهد” إن العملية تعني سحب العملة الجديدة وتجميدها، مقابل تعويض السوق من مخزون الأوراق القديمة المتاحة لدى البنك المركزي في صنعاء، وهذا المخزون يعاني أصلًا من محدودية الأوراق الصالحة للتداول وتلف جزء منها.”
وأضاف أن اتساع الفارق بين النقد الموجود فعليًا والنقد المطلوب لتلبية المعاملات قد يزيد الطلب على الأوراق النقدية القديمة، باعتبارها عملة متوفرة بشكل محدود.
إعادة تشكيل النظام النقدي
بحسب الحمادي، فإن ما يجري قد يقود إلى «انكماش نقدي» وإعادة تشكيل للنظام النقدي في المناطق التي تغيرت السيطرة عليها، بحيث تفقد تلك المناطق جزءًا من السيولة الجديدة القابلة للتداول، في مقابل استنزاف جزء من مخزون الأوراق القديمة لدى البنك المركزي في صنعاء.
وأشار إلى أن الأمر لا يزال في مرحلة دراسة الطلبات، وليس بدء إجراءات الاستبدال، معتبرًا أن ذلك يعكس تحديًا يتعلق بقدرة البنك على توفير النقد البديل في حال اتسعت عملية الاستبدال.
وتبرز هنا تساؤلات بشأن قدرة المخزون النقدي القديم على استيعاب عمليات استبدال واسعة، خصوصًا إذا امتدت العملية إلى مناطق إضافية.
توقف الحركة التجارية في المخا
انفوغرافك مصمم بمساعدة الذكاء الاصطناعي حسب بيانات المادة المكتوبة، يوضح التسلسل الزمني للأحداث في المخا، تعز، اليمن
قال تاجر محلي في مدينة المخا، فضّل عدم ذكر اسمه، إن النشاط التجاري في المدينة يشهد توقفاً واسعاً بعد سيطرة الحوثيين على المدينة. وأضاف في حديثه للمشاهد: «الناس والتجار في المخا واقفون، والتجارة متوقفة، وكل شيء متوقف. الوضع كارثة اقتصادية، لأن لا أحد قادر على التعامل، ولا أحد لديه العملة القديمة التي يُطلب التعامل بها، الناس هناك لا يعرفون كيف سيتصرفون في ظل هذا الوضع».
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على القطاع المصرفي، إذ يرى الحمادي أن التاجر قد يواجه مشكلة مزدوجة؛ تتمثل الأولى في امتلاكه أموالًا بالعملة الجديدة قد تفقد قدرتها على التداول المحلي، فيما تتمثل الثانية في حاجته إلى سيولة جديدة لإعادة شراء البضائع ومواصلة نشاطه.
وقد يدفع ذلك، بحسب تقديره، بعض التجار إلى تقليل المخزون والاستيراد، أو رفع الأسعار، أو طلب السداد بالعملات الأجنبية، في محاولة لتقليل مخاطر تغير قيمة السيولة المتاحة لديهم.
تداعيات على “الصرف” والمواطن
لا يتوقف أثر التخلص من العملة الجديدة على سوق الصرف فقط. بل يمتد إلى كافة السكان في معاملاتهم اليومية عندما يقومون بتحويلها إلى العملات الأجنبية أو شراء السلع قبل فقدان القدرة على التعامل بها بحكم أمر سلطات الواقع.
ويشير الحمادي إلى أن زيادة هذا السلوك قد ترفع الطلب على العملات الأجنبية والسلع، بما يفرض ضغوطًا إضافية على سوق الصرف. ومن بين أكثر الفئات تعرضًا للتداعيات المواطنون الذين يحتفظون بمدخرات نقدية بالعملة الجديدة، إذ قد يواجهون خسائر في القوة الشرائية إذا اضطروا إلى استبدال أموالهم أو تحويلها إلى عملة أخرى.
ويقول الحمادي إن الأثر لا يرتبط فقط بعدد الريالات التي يمتلكها المواطن، وإنما بكمية السلع والخدمات التي يستطيع شراءها بهذه الريالات، وهو ما يجعل القوة الشرائية أحد المؤشرات الأساسية لقياس أثر العملية على المواطنين.
وبين استمرار الخوف من القصف على المخا والمناطق الأخرى القريبة منها، يعيش السكان في صدمة واقع إدارة السلطات الجديدة وتغيير العملة القسري. ولا يدري السكان حتى الآن هل هذا الواقع سيستمر أم أن هناك ترتيبات لاستعادة وضع ما قبل العاشر من سبتمبر.