المشهد اليمني – انفجار الأوضاع في إثيوبيا: انقطاع الإنترنت وسيطرة مفاجئة على 3 مطارات استراتيجية.. هل تُسقط المعارضة آبي أحمد؟
تنزلق إثيوبيا بنحو سريع نحو أعمق أزمة سياسية وعسكرية تشهدها البلاد منذ وضعت حرب “تيغراي” أوزارها أواخر عام 2022؛ عقب انفجار المواجهات المسلحة مجددًا وبشكل واسع بين القوات الفيدرالية وقوات إقليم تيغراي، في تطور ميداني ينسف عمليًا ما تبقى من “اتفاق بريتوريا” للسلام، ويُعلق مصير القرن الأفريقي على كف العفريت.
خلال الساعات الأخيرة، تحولت حالة الاحتقان السياسي مكتوم الصوت، والتي استمرت لأشهر، إلى اشتباكات عسكرية مباشرة. أعلنت على إثرها سلطات إقليم تيغراي دخول قواتها في “حرب دفاعية” للرد على تحركات الجيش الفيدرالي، فيما شهدت الأطراف الشمالية تحشدات واضطرابات امتدت شرقا وغربا إلى الأقاليم المجاورة.
وفي نشاط ميداني يعكس خطورة الموقف ورغبة الأطراف في فرض التكتم الميداني، رُصد صباح اليوم الجمعة 25 سبتمبر انقطاع كامل لخدمات الإنترنت والاتصالات عن مناطق واسعة في شمال البلاد، مع سريان حالة من الذعر بين السكان مخافة العودة إلى مربع “العزلة الشاملة” والحصار الذي ضرب الإقليم في حرب الأعوام الثلاثة الماضية.
تحولات الميدان: مطارات استراتيجية تحت سيطرة المعارضة
الواقع الميداني المشهد اليوم يتجاوز حدود المناوشات الحدودية أو الخلافات الأمنية الضيقة؛ إذ تمكنت قوات تيغراي في الهجوم المضاد من بسط سيطرتها على ثلاث مطارات حيوية ومفصلية في الإقليم: (ميكيلي، وأكسوم، وشِرِه)، بالتزامن مع توسع رقعة النار لتطال أجزاء حيوية من إقليمی “عفر” و”أمهرة”، وتوقف تام لجميع رحلات الطيران المدني والعسكري في نطاقات الاشتباك.
تحمل هذه السيطرة العسكرية دلالات استراتيجية قاطعة، فإحكام القبضة على الملاحة الجوية والمطارات يعني تعطل قدرة أديس أبابا على نقل الإمدادات السريعة، وانتزاع مبادرة التكتيك العسكري، بما يحول الصراع من تمرد محلي إلى معركة تحكم بالمرافق السيادية للدولة.
“تحالف البقاء”.. ورقة جديدة تقلب الطاولة على أديس أبابا
التطور الدراماتيكي الأبرز لم يأتِ من جبهة “ميكيلي” وحدها، بل سبقه بـ أيام قليلة إعلان سبع جماعات إثيوبية مسلحة تأسيس حلف عسكري وسياسي تحت اسم «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، واضعين هدفاً استراتيجياً واحداً: إيقاف سلطة رئيس الوزراء آبي أحمد وإسقاط حكومته الفيدرالية.
يتشكل هذا الحلف العريض من قوى متناقضة تاريخياً، يتقدمها:
جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF).
حركة “فانو” القومية المسلحة في إقليم أمهرة.
جيش تحرير أورومو (OLA).
فصائل مسلحة من أقاليم عفر، وبني شنقول-قمز، ومناطق الجنوب.
تكمن المفارقة التاريخية في أن حركة “فانو” وقوات أمهرة كانت حتى وقت قريب الخصم الأشرس لجبهة تيغراي، وحاربت جنباً إلى جنب مع الجيش الفيدرالي ضدها بين عامي 2020 و2022، قبل أن ترتد بالسلاح ضد حكومة أديس أبابا إثر خلافات نفوذ وإعادة هيكلة القوات الإقليمية. هذا الائتلاف المعقد يعكس حجم التغير الهيكلي في المعادلة الإثيوبية؛ إذ لم تعد الحكومة المركزية تواجه تمرد إقليم منفرد، بل تكتلاً عابراً للقوميات والحدود الإدارية.
ورغم هذه القوة الرقمية للتحالف، يرى خبراء ومحللون عسكريون أن غياب القيادة الميدانية الموحدة، واستمرار التباينات الأيديولوجية والنزاعات الترابية التاريخية بين هذه القوى، قد يحول دون تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة معقدة على الأرض.
أديس أبابا وأسمرة: من التحالف الوثيق إلى نذر المواجهة
تختلف معطيات اليوم جذرياً عن سيناريو عام 2020؛ حينها حشد آبي أحمد التحالفات الإقليمية وحصل على دعم عسكري ولوجستي مباشر من النظام الإريتري لخوض المعركة. اليوم، تحولت أسمرة من “حليف الأمس” إلى “عدو اليوم”.
تشهد العلاقات بين أديس أبابا وأسمرة قطيعة وتوتراً متصاعداً، وتوجه السلطات الإثيوبية اتهامات علنية لإريتريا بتقديم دعم لوجستي وتسليحي للجماعات المعارضة داخل الأراضي الإثيوبية—وهو ما تنفيه أسمرة رسمياً. وتتزايد المخاوف الدولية من أن يؤدي أي تدخل إريتري مباشر إلى تحويل الأزمة الداخلية إلى حرب إقليمية مفتوحة على الضفة الغربية للبحر الأحمر، خاصة في ظل الخلاف المحتدم حول المنافذ البحرية وطموح أديس أبابا للوصول إلى ميناء “عصب”.
اتفاق بريتوريا في الميزان: السقوط أم الانعاش؟
أرسى “اتفاق بريتوريا” للسلام في نوفمبر 2022 هدنة هشّة أنهت واحدة من أبشع الحروب الإنسانية، لكنه تغاضى عن تفكيك أسباب الصراع الجذرية؛ كالملفات الحدودية بين الأقاليم، وتجريد السلاح، وعودة المهجرين.
ومع عودة المدافع، يرى مراقبون أن أساس الاتفاق انهار عملياً. وفي حين اعتبرت وسائل إعلام دولية وأطراف قيادية في تيغراي أن اتفاق السلام قد “تحطم واستنفد أهدافه”، تتريث القوى الدولية في إعلان وفاة الاتفاق رسمياً تجنباً لقطع شعرة المباشرة الدبلوماسية.
السيناريوهات القادمة: هل ستقع أديس أبابا؟
رغم الضغط العسكري الشمالي، تؤكد المعطيات الاستراتيجية أن العاصمة أديس أبابا لا تواجه خطراً عسكرياً داكناً ومباشراً في الوقت الراهن؛ نظراً الفارق الجغرافي الشاسع، واحتفاظ الجيش الفيدرالي بتفوقه الجوي (الطيران المسير وسلاح الجو)، وقبضته الأمنية على المؤسسات السيادية.
لكن خطورة الوضع لا تكمن في سقوط العاصمة بزحف مباشر، بل في سيناريو “الانهك العصبي والمالي” للحكومة الفيدرالية، من خلال اضطرارها لخوض حروب عصابات واشتباكات متعددة الجبهات وفي وقت واحد (في تيغراي، وأمهرة، وأوروميا).
وفي ظل محيط إقليمي مضطرب يضم سوداناً ممزقاً، وصومالاً متوتراً، وممر هيمنة دولي محتدم في البحر الأحمر وباب المندب، يقف القرن الأفريقي برمته أمام ثلاثة مسارات:
مسار التهدئة: احتواء الانفجار عبر ضغوط دولية مكثفة وإعادة فتح طاولة مفاوضات بريتوريا معدلة.
حرب الاستنزاف: دخول البلاد في دوامة صراع طويل الأمد، منخفض الشدة ومتعدد الجبهات.
التفكك الفيدرالي: تفعيل التحالفات المسلحة بشكل كامل ودخول أطراف إقليمية، مما يهدد وحدة الدولة الإثيوبية كلياً.