تعز: عائلات تروي لحظة لم الشمل بعد 9 سنوات من الفراق
تعز- فاطمة العنسي
عندما تحدثت أم عبد الله الشرعبي، 50 عامًا، عن لحظة لقاءها بوالدتها وأسرتها وأخوتها، لأول مرة، منذ تسع سنوات في منطقة الحوبان بتعز، كانت مشاعر الفرح ظاهرة على ملامحها، وابتسامتها لا تفارق وجهها. أجبرتها الحرب التي تسببت بقطع الطرقات منذ عام 2015 على البعد عن أقربائها ما يقارب عقد من الزمن.
قبل نشوب الحرب، كان السفر من الحوبان إلى مدينة تعز يستغرق 15 دقيقة تقريبًا بالسيارة، وما أن اندلعت الحرب، أصبح السفر على الطرق الرئيسة التي تربط مدينة تعز بالحوبان حلمًا لملايين المواطنين. ومع استمرار الحرب وفشل التوصل إلى اتفاق سياسي بين أطراف النزاع في اليمن، توقف المواطنون عن الحلم بالسفر في تلك الطريق.
في الشهر الماضي، أضحى الحلم حقيقة بعد أن اتفقت جماعة الحوثي والجهات الحكومية في مدينة تعز على فتح طريق الحوبان، لتعم البهجة ملايين الأسر. تسكن أم عبدالله في حي الشعب بمدينة تعز، وتستغرق حوالي ٨ دقائق بالسيارة من منزلها إلى منزل أسرتها في جولة القصر القريبة من منطقة الحوبان.
تقول أم عبد الله لـ “المشاهد”: “بقيت محرومة من زيارة أسرتي طوال التسع السنوات الماضة، ولم أستطع السفر عبر الطرق البديلة والطويلة ، بسبب ظروفي الصحية، وعدم مقدرتي على تحمل قسوة تلك الطرق الجبلية”.
أسرة أم عبدالله واحدة من آلاف الأسر التي منعتهم الحرب من التنقل ولقاء الأقارب والأصدقاء، أو الذهاب من أجل القيام بأعمالهم، حيث تسبب قطع الطرقات بمعاناة إنسانية فادحة للسكان. لجأ المسافرون من وإلى مدينة تعز إلى طرق وعرة، ويستغرق المسافر قرابة ست ساعات للانتقال من منطقة الحوبان إلى مدينة تعز.
حياة جديدة
جهاد السامعي، طالبة ماجستير في إدارة أعمال بتعز، تقول لـ “المشاهد”: “الدقائق التي كنت أقضيها للانتقال من منزلي في شارع التحرير الأسفل إلى منزل الدي في جولة سوفتيل، أصبحت ساعات، وتحولت الزيارات اليومية التي كنت أقوم بها قبل الحرب إلى زيارة سنوية في ظل الحرب”.
تؤكد جهاد أن فرحة المواطن بفتح الطرقات في تعز كانت كبيرة، بعد تسع سنوات من الحرمان والمعاناة اليومية. تتذكر جهاد فرحة الناس في اليوم الأول من افتتاح الطريق يوم 13 يونيو، وتقول: “لا كلمات يمكن أن تصف السعادة التي ارتسمت على وجوه الناس الذين كنت التقي بهم. كانت تلك اللحظة التي شعرنا فيها بأن روح الحياة عادت إلينا من جديد”.
في الثالث عشر من يونيو، 2024، أعلنت جماعة الحوثي والحكومة اليمنية افتتاح طريق (الحوبان – جولة القصر) في مدينة تعز، بشكل رسمي وبدء عبور المواطنين فيها، بعد استكمال الترتيبات. وقالت وكالة سبأ في صنعاء إنه “تم الإعلان …عن فتح جولة القصر رسمياً تنفيذاً للاتفاقيات والتفاهمات التي جرت…”.
وقال رئيس اللجنة الحكومية للتفاوض بشأن فتح الطرقات، عبد الكريم شيبان: “يسرنا اليوم فتح طريق الكمب- جولة القصر بعد 9 سنوات”، وأضاف: “الأجهزة الأمنية جاهزة لتسهيل عبور المواطنين من المدينة والخروج منها”.
منذ إعادة فتح الطريق في 13 يونيو، شهد مدخل مدينة تعز ومدخل منطقة الحوبان ازدحامًا كبيرًا، ما استدعى قوات الأمن إلى القيام بترتيبات واستحداث نقاط تفتيش، منعًا لحدوث اضطرابات أمنية.
يسيطر الحوثيون على الضواحي الشرقية والشمالية للمدينة، بما في ذلك المنافذ الرئيسية التي تربطها ببقية محافظات البلاد. يتقاسم الطرفان، جماعة الحوثي والحكومة اليمنية، السيطرة على محافظة تعز، حيث تخضع 60 في المئة من مساحتها الإجمالية- المقدرة ب 12 ألف كم²- لسيطرة الحكومة، بما في ذلك مركز المحافظة، فيما تسيطر جماعة الحوثي على 40 في المئة من بقية المساحة، بما فيها المنافذ الشرقية والشمالية للمدينة بما في ذلك المنافذ الرئيسة التي تربطها ببقية محافظات البلاد.
يوم استثنائي
يتذكر مقبل المخلافي، 60 عاما، يوم افتتاح الطريق الرابط بين مدينة وتعز والحوبان، ويصف ذلك اليوم بـ “الاستثنائي”. يقول مقبل لـ “المشاهد”: “طوال التسع السنوات الماضية، لم يستطع المواطن فعل شيء عدا تحمل المعاناة التي فرضتها الحرب والطرق المقطوعة. ولم تلتفت أطراف الصراع إلى الألم الذي تحملناه منذ اندلاع الحرب”.
بعد الاتفاق على فتح الطريق في تعز، اندفع الكثير من المواطنين نحوها على الرغم من المخاطر المحتملة، مثل بقايا الحرب أو الألغام المدفونة. لكن مقبل لم يفكر مقبل في تلك المخاطر. يضيف مقبل: “كانت الفرحة أكبر من الخوف، وكان شوقنا للقاء أقاربنا لا يوصف”.
يختم مقبل حديثه، ويقول: “نتمنى أن ينتصر السلام، وأن تكون الموافقة على فتح الطرقات الرئيسة في تعز خطوة إيجابية نحو سلام دائم، وإنهاء هذه الحرب التي أحرقت البلاد، وتسببت بمقتل الأبرياء، وتشريد الملايين”.