قيود مجتمعية تحرم الفتيات من دراسة تخصصات جامعية
صنعاء- حمزة ذياب
ينضم الآلاف من الطلاب والطالبات إلى الجامعات في اليمن كل عام، ويسعى جميعهم إلى تحقيق أهدافهم المهنية والتعليمية من خلال دراسة التخصصات الجامعية المختلفة.
في العديد من المناطق اليمنية، تعجز الفتيات عن الالتحاق بالتخصصات الأكاديمية التي يرغبن بها، إذ تسمح الأسرة للفتاة بدراسة تخصصات محددة، وترفض انضمامها إلى بعض الأقسام الجامعية، بسبب الخوف من رد فعل المجتمع، أو بسبب النظرة المجتمعية الخاطئة لبعض التخصصات الجامعية.
سمية، 24 عاما، من ريف محافظة حجة، أنهت تعليمها الثانوي قبل عامين، وكانت تحلم بالدراسة في كلية الإعلام. وجدت سمية نفسها شغوفة بدراسة بالإعلام، وترى نفسها موهوبة ومقتدرة على دراسة هذا التخصص، والعمل فيه، لكن أسرتها عارضت فكرة الدراسة في كلية الإعلام.
توضح سمية لـ “المشاهد”: “الأسرة تنظر إلى الإعلام أنه تخصص غير مقبول، لأنها تعتقد أن فيه من الانفتاح ما لا يوجد في غيره، وهذا ليس مقبولا بالنسبة لهم”.
حاولت سمية مرارًا إقناع أسرتها لكي تسمح لها التسجيل في كلية الإعلام، ولم تجد إلا الرفض. وافقت الأسرة على انضمام سمية إلى كلية الطب، لكن سمية لم تكن ترغب بذلك التخصص أو تخصصات أخرى.
وبعد خلاف بين سمية وأسرتها، قررت الأسرة عدم السماح لها بالدراسة في الجامعة في أي تخصص. تتحدث سمية بحزن، وتقول: “إن شغفي بهذا التخصص جعلني أخسر كثيرًا، وتنازلت عن أشياء كثيرة مقابل دراسة الإعلام، لكني لم أستطع، لأن الأهل كانوا أكبر عائق أمامي”.
سماح، 25 عاما، من ريف محافظة ذمار، كانت تفكر بدراسة تخصص الشريعة والقانون في الجامعة، لكن أسرتها لم تقبل ذلك، فاضطرت إلى دراسة في قسم القبالة، كونه تخصصًا يليق بالبنات كما ترى أسرتها.
تقول سماح لـ”المشاهد”: “حزنت كثيرا لأني لم أستطع دراسة التخصص الذي أحب. تفرض العديد من الأسر على الفتيات اختيار تخصصات محددة، لكن هذا الأمر ليس من مصلحة الفرد والمجتمع، لأن العمل في أي مجال دون رغبة لا يأتي بالنجاح”.
الإصرار على تحقيق الحلم
يسرى، ٢٤عاما، من ريف محافظة ذمار، عانت كثيرا بعد تخرجها من الثانوية العامة في عام ٢٠٢٠. عندما أخبرت والدها برغبتها بالدراسة في كلية الإعلام، لم يقبل فكرتها، ورفض التحاور معها عن ذلك الأمر.
لكنها لم تيأس، واستمرت في المحاولة لمدة سنتين بعد تخرجها من الثانوية، حتى تحقق لها ما تريد، وانضمت إلى كلية الإعلام. وبسبب ذلك، قرر خطيبها فسخ خطوبته منها، لأنه لم يقبل أن يراها طالبة في كلية الإعلام.
تقول يسرى لـ “المشاهد”: “لا بد من أن تكون الأسرة عونا وسندا للفتيات حتى يستطعن تحقيق النجاح في الحياة. حين تدرس الفتاة تخصص غير مرغوب، فإنها ستجني الفشل، ومن يفرض على أبنائه وبناته تخصصا لا يريدونه، يدفعهم إلى الفشل، لا النجاح، ثم أن النجاح والتفوق يأتي من حب التخصص والرغبة فيه”.
تشير الناشطة المجتمعية آزال الصباري إلى أن غالبية المجتمعات الريفية في اليمن، وحتى المدنية، تمتلك تركيبة معقدة من العادات والتقاليد القبلية، وتجد المرأة صعوبة في الوصول إلى مرحلة التعليم الجامعي.
تضيف: “وصول المرأة اليمنية إلى مرحل التعليم الجامعي يعد إنجازًا كبيرًا وانتصارًا عظيمًا لها، لكن يجب عليها أن تلتزم بشروط كثيرة، منها عدم دخولها بعض التخصصات التي يعتقد المجتمع أنها خاصة بالذكور مثل الهندسة والشريعة والإعلام”.
تتابع: “العمل في الإعلام، مثلًا، قد يفرض على الفتاة كشف وجهها، والظهور أمام الجمهور، وهذا ما تراه الكثير من الأسر عيبًا”.
التأثير النفسي
الأخصائية النفسية أسماء البهلولي ترى ارتباطا بين التسلط الذي تمارسه الأسرة على الفتاة والاستقرار النفسي للفتاة. في حديثها لـ “المشاهد”، تقول البهلولي: “تشعر الفتاة بالإحباط الشديد عندما يتم منعها من تحقيق أحلامها ودراسة ما تحب، وذلك يؤدي إلى فقدانها الثقة بنفسها وقدراتها، وشعورها بعدم القيمة، ثم الشعور بالظلم والاضطهاد”.
تضيف: “يتصاعد التأثير، فتشعر بالغضب وتبدأ التمرد على قرار عائلتها، ويؤدي ذلك إلى تفاقم المشكلات الأسرية، وتوتر العلاقات، وهذا يؤثر على تعليم الفتاة وعملها وعلاقاتها الاجتماعية”.
تؤكد البهلولي أنه من الأهمية بمكان أن يتذكر الآباء والأمهات أن دورهم هو دعم بناتهم وتشجيعهن على تحقيق أحلامهن، وليس منعهن من تحقيقها، وتحث المجتمع اليمني على تغيير الأفكار النمطية الخاطئة عن قدرات النساء، والإيمان أن لديهن القدرة على تحقيق أهدافهن مهما يكن التخصص الذي يلتحقن به.
رفع الوعي المجتمعي
عبد الحميد القدسي، أكاديمي يمني، يعتقد أن رفع الوعي في المجتمعات هو الحل الأمثل لتمكين الفتيات من الالتحاق بالتخصصات الجامعية التي يرغبن بها، ويشير إلى أن هناك تطورًا ملحوظًا في وعي المجتمعات اليمنية.
في حديثه لـ “المشاهد”، يقول القدسي: “كانت بعض الأسر ترفض فكرة انضمام الفتاة إلى الجامعة في أي تخصص، لكن تلك الأسر بدأت تتقبل انضمام الفتيات إلى الجامعة في تخصصات محددة، وهذا يعد مؤشرًا عن التغيير في وعي المجتمع”.
يضيف: “وهناك عدة أسر لا تفرض على الفتيات تخصص محدد، وتسمح لهن بدراسة التخصصات التي يرغبن بها، وهذا مؤشر جيد عن الوعي في المجتمع اليمني، وإدراك المجتمع لأهمية التعليم الجامعي للفتاة”.
لا يزال انعدام فرص التعليم للفتيات في المناطق الريفية اليمنية تحديًا كبيرًا، حيث تُشير بعض الدراسات إلى أنّ نسبة التحاق الفتيات بالتعليم في الريف اليمني ضئيلة. ووفقًا لإحصائيات صادرة عن وزارة التربية والتعليم اليمنية، بالتعاون مع البنك الدولي، لا تزال نسبة التحاق الفتيات بالتعليم العالي في اليمن متدنية للغاية، حيث تبلغ 5.7% فقط، مقابل 18% للذكور، وتبلغ نسبة التحاق الفتيات في التعليم الأساسي 42% مقابل 84% للذكور، بينما تنخفض إلى 23% في المرحلة الثانوية مقابل 43% للذكور.