رفض التمييز العنصري: تحدٍ محفوف بالمخاطر في اليمن
تعز- عدي الدخيني
لا يجد الفرد في العديد من المجتمعات اليمنية الحرية دائمًا في اختيار ما يريده على المستوى الشخصي، إذ تفرض العادات والتقاليد على الأفراد التقيد بتصرفات محددة والخضوع لكل ما تمليه الأسرة والمجتمع.
قبل سنوات، التحق غالب بالمرحلة الثانوية وأعجب بفتاة من زميلاته. وعندما أنهى دراسته، عبّر لأسرته عن رغبته في التقدم لخطبتها. لكن الرد كان صادمًا، إذ قابلت أسرته الأمر بالرفض القاطع، معتبرةً ارتباطه “إهانة” لهم. كانت الفتاة من عائلة تُعتبر من الطبقة المهمشة التي تعمل في الحلاقة، وهو ما اعتبره أهل غالب عيبًا لا يمكن التغاضي عنه.
لم يخضع غالب، 27 عامًا، للقيود الأسرية، التي فُرضت عليه، وقرر أن يعمل ما يريد ويكسر تلك العادات والتقاليد التي تتنافى مع الدين وتعمّق العنصرية. في حديثه لـ “المشاهد”: “يقول غالب: “ذهب للبحث عن عمل، وجمعت مبلغا من المال. بعد ذلك، جئت إلى أسرة الفتاة، لأطلب يدها وفقًا لتعاليم ديننا الإسلامي.”
في العديد من المجتمعات في اليمن، يُنظر إلى بعض المهن بنوع من التحقير والازدراء. ولهذا السبب، ترى العديد من الأسر أن الزواج من العائلات التي تعمل في مهنة الحلاقة، مثلًا، أمرًا لا يمكن القبول به.
تعد مهنة الجزارين، القشامين، الحلاقين، والدواشنه، في اليمن من الوظائف الدُنيا، ومن يمارسونها يوصفون بـ “المزاينة”. الكثير من الأسر المنتمية لهذه الفئة تعاني من العنصرية الطبقية، وينظر إليهم كفئة دُنيا في المجتمع.
التهديد بالقتل
تزوج غالب بالفتاة التي كان يحبها، دون علم أسرته. وبعد أسابيع، علمت أسرة غالب بالأمر، وكادت أن تقتله. يقول غالب: “هددوني وأطلقوا عليّ وابلًا من الرصاص الحي، وكانوا يقصدون قتلي دون مبرر سوى قولهم “أنت هنت أسرتنا بفتاة ليست من مستوانا”، وطلبوا مني أن أطلقها.”
يضيف: “لقد انعزلت عن المجتمع، وأصبحت سجين المنزل. لم أعد أرغب في الخروج إلى أي مكان، وكل ما خرجت، وواجه الشتائم والتنمر والانتقاص لأني تزوجت من تلك الفتاة. وقد تعرضت للضرب أيضًا، وبعد ما حدث لي من صدمات، أصبت بمرض السكري.”
تقول الأخصائية الاجتماعية سارة الكشري لـ “المشاهد” إن المجتمع اليمني يقبل العادات والتقاليد التي تقلل من ِشأن الذين يعملون “حلاقين” و”جزارين” وغيرهم، وهذه الأفكار تتوارثها الأجيال منذ عقود من الزمن.
تضيف: “لا تزال هذه الفئات في مجتمعنا تتعرض لحملات عنصرية، وحربًا نفسية، ويمنع الاختلاط بهم أو الزواج منهم، وفي الأغلب يواجه كل من يرفض هذه الثقافة العنصرية عقوبات قاسية.”
تشير الكشري إلى أن التعليم في اليمن شهد تطورًا ملحوظًا خلال العقود الماضية، لكن ذلك لم يسهم في القضاء على هذه الظاهرة.
التمييز بين الواقع والتشريعات
يأمل سليم أن يكون هناك حل جذريّ لهذه القضية الشائكة، عبر سنّ قوانين تسهم في القضاء على ثقافة التمييز العنصري، وتبنّي مشروعٍ مناهض لكلِّ أشكال العنصرية.
المستشار القانوني عمر الحميري يقول لـ “المشاهد” إن الدستور اليمني ينص على أن المواطنين جميعًا يتساوون في الحقوق والواجبات، وجاء القانون اليمني مستندًا إلى مبادئ أساسية تمنع التصنيف، والتمييز العنصري.
يشير الحميري إلى أن قانون الأحوال الشخصية في اليمن يشترط أن يكون هناك تكافؤ بالزواج، والتكافؤ شرط بالزواج، وشرط فاسخ إذ لم يكون موجود. لكنه يفسّر التكافؤ بأنه تكافؤ الأشخاص بالنسبة لسلوكهم الشخصي، وهذا ما يجب أن نأخذ به، ونسقط عليه النص القانوني.
يختم حديثه لـ “المشاهد”، ويقول: “إن التشريع الإسلامي حافظ لكرامة الإنسان، ولم تأت الشريعة للانتقاص من الناس، أو تشرع منع الأشخاص من الارتباط بآخرين ينتمون لأسر لديها مهن معينة؛ فالشريعة الإسلامية بريئة من هذه الأفكار.”
تبقى قصة غالب مثالاً مؤلمًا للمئات الذين يعانون من هذا الواقع المرير، على أمل سنّ قوانين أكثر حزمًا في مكافحة التمييز العنصري، وإحداث تغيير عميق ينهي معاناة الكثيرين، ويؤسس لمجتمع قائم على المساواة والاحترام.