كيف حولت الرواية الرسمية والأخبار العاجلة حادثة “المقاطرة” من نزاع محلي بحت إلى قضية سياسية كبرى؟
لحج- بسام كامل
في مساء 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، تداولت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي ومواقع إخبارية خبرًا مفاده “نجاة محافظ تعز، نبيل شمسان، من محاولة اغتيال في مديرية المقاطرة التابعة لمحافظة لحج”.
سرعان ما انتشر الخبر على نطاقٍ واسع، وسط غياب معلوماتٍ مؤكَّدة؛ مما أتاح لظهور تفاصيل أولية متضاربة حول طبيعة الحادث.
ملخص صوتي للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook KLM
وتزامنًا مع الانتشار الواسع للخبر، بدأت روايات متباينة بالظهور حول ملابسات الواقعة، حيث تقاطعت بعض هذه الروايات مع بيانٍ لاحق أصدرته السلطة المحلية، فيما ناقضت روايات أخرى تفاصيل جوهرية تتعلق بالجهة التي نفذت الاستهداف، وهوية الضحايا، والدوافع التي قادت إلى ما حدث.
هذا التباين في السرديات مثّل نقطة الانطلاق لمعدّ التقرير في محاولة لتقصّي ما جرى فعلًا، وفحص مسار انتشار الخبر من لحظاته الأولى.
من خلال البحث تبيّن أن الخبر بدأ بالظهور عند الساعة الرابعة عصرًا. ورُصدت أول تدوينة تتحدث عن الواقعة في حساب يحمل اسم “سعيد العنتري” على “فيسبوك” عند الساعة 4:19 عصرًا، وجاء فيها: “عاجل: نجاة محافظ تعز من كمينٍ مسلح في هيجة العبد وسقوط قتلى وجرحى”.
أول منشور حول الحادثة ظهر الساعة 4:15 عصر 24 نوفمبر 2025
ومنذ ذلك التوقيت وحتى الخامسة مساءً، زاد انتشار الخبر على نطاق واسع في منصات التواصل، وظهر في بعض المنشورات ادّعاءٌ بأن من بين القتلى “خمسة من مرافقي المحافظ”، من دون تقديم مصادر أو أدلة تدعم هذا الادّعاء.
منصات إخبارية ووسائل إعلام تلقفت الرواية الرسمية ونشرتها كما هي
الرواية الرسمية
وبعد نحو ساعةٍ من الانتشار الواسع للخبر، أصدرت السلطة المحلية في تعز “توضيحًا” على صفحة إدارة الإعلام بديوان المحافظة على “فيسبوك” عند الساعة 5:58 مساءً، ذكرت فيه أن “موكب المحافظ وقيادة محور طور الباحة تعرّضا للاستهداف” من قبل “خارجين عن القانون”، في منطقة نجد البرد أسفل هيجة العبد (منطقة تقع بين محافظتي تعز ولحج)، وأن الهجوم أسفر عن مقتل خمسةٍ من المرافقين ومقتل اثنيَن من المهاجمين وإصابة اثنيَن آخرين.
لم يوضّح البيان ما إذا كان الضحايا من مرافقي المحافظ أم من عناصر محور طور الباحة؛ الأمر الذي ترك مساحةً للتفسير، خصوصًا بعدما تبنت منصات إعلامية سردية تذكر -من دون مصادر- أن القتلى الجنود “مرافقين” لمحافظ تعز.
على إثر ذلك، صدر توجيه من رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتشكيل لجنةٍ أمنية وعسكرية للتحقيق في ملابسات الحادث. كما سارعت جهات عسكرية ومدنية في تعز -بينها محور تعز العسكري والمكاتب التنفيذية في تسع مديريات، إضافةً لأحزابٍ السياسية- إلى نشر بياناتٍ منفصلة أدانت ما وصفته بـ”محاولة اغتيال المحافظ”.
تبني وسائل الإعلام
أسهم هذا التوافق المبكر في منح الرواية الرسمية حالةً من المصداقية اللحظية، رغم غياب الأدلة المستقلة التي تؤكدها.
ومع سرعة انتشارها، تلقفت وسائل إعلام محلية، عربية ودولية الطرح ذاته، بما فيها وكالة “رويترز” التي نقلت عن ثلاثة مسؤولين عسكريين أن المحافظ نبيل شمسان وقائد محور طور الباحة نَجَوَا من “محاولة اغتيال”. كما وقع في الخطأ نفسه موقع “المشاهد” الذي ينشر هذه المادة لتقديم ما توصل إليه في هذه الحادثة.
لقطة شاشة لخبر رويترز حول حادثة المقاطرة، 24 نوفمبر 2025
كما أعادت منصات أخرى مثل “اندبندنت عربية” و “عكاظ” وقناة الحدث و”التلفزيون العربي“، نشر الرواية الرسمية دون إيراد رواية الطرف الآخر أو الاستعانة بشهادات من السكان أو الإشارة إلى وجود تضاربٍ في المعلومات الأولية.
لقطة شاشة لخبر عكاظ حول حادثة المقاطرة، 24 نوفمبر 2025
لقطة شاشة لخبر قناة “الحدث” حول حادثة المقاطرة، 24 نوفمبر 2025
كما برزت رواية مختلفة نشرها موقع “المجهر”، أفادت بأن اشتباكاتٍ اندلعت أثناء محاولة قوات من اللواء الرابع مشاة جبلي إزالة نقطة تفتيش استحدثها مسلحون في منطقة “هيجة العبد” بمديرية المقاطرة شمالي لحج، وذلك بالتزامن مع مرور موكب محافظ تعز.
لقطة شاشة لتغطية موقع “المجهر” التي قدمت رواية مغايرة لسردية السلطة المحلية حول ما حدث في المقاطرة، 24 نوفمبر 2025
ولتقييم مدى انتشار بيان السلطة المحلية مقارنةً بالروايات الأخرى، أجرينا بحثًا عبر محرك “غوغل” باستخدام كلمات مفتاحية مثل: “توضيح بخصوص استهداف موكب محافظ تعز” و”نجاة محافظ تعز من محاولة اغتيال”.
وأظهرت النتائج أن انتشار البيان كان الأوسع، إذ هيمنت المواقع الإخبارية على التغطية، تلتها حسابات وصفحات في منصة “فيسبوك” التي أعادت نشر البيان بصيغته الأصلية دون أي تحقق.
وخلال التتبع، تبيّن أن 30 حسابًا على فيسبوك و30 موقعًا إخباريًا تداولوا البيان كما هو، أو استندوا بالكامل إلى رواية السلطة المحلية في تغطيتهم للحادثة.
الرواية الأقرب
أظهرت متابعة أعمق لروايةٍ محليةٍ أخرى أن ما جرى لم يكن استهدافًا مباشرًا لمحافظ تعز، بل كان مرتبطًا بتوترٍ متصاعد منذ عدة أشهرٍ بين أهالي المنطقة وعلوي الجبولي، شقيق قائد محور طور الباحة وقائد اللواء الرابع مشاة جبلي، على خلفية قضية قتلٍ تعود إلى التاسع والعشرين من أغسطس/آب 2025.
برز اسم اللواء الرابع مشاة جبلي في التغطيات الإعلامية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2017، ويقوده العميد أبوبكر الجبولي، ويجري تقديمه في الخطاب الرسمي الحكومي والإعلامي بوصفه قوة موالية للحكومة المعترف بها دوليًا، ويتمركز نطاق انتشاره في مناطق جنوب محافظة تعز.
لقطة شاشة لمنشور حساب مركز إعلام محور تعز حول اللواء الرابع، نوفمبر 2017
أما محور طور الباحة – يقوده الجبولي – فقد برز اسمه لأول مرة في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، وسُمي نسبةً إلى مديرية طور الباحة بمحافظة لحج، المحاذية لمحافظة تعز.
في وقتٍ متأخر من يوم الحادثة، أصدر أبناء منطقة “نجد البرد” في مديرية المقاطرة بيانًا نفَوا فيه أي صلةٍ لهم لما وقع بمحاولة اغتيال المحافظ.
وأكدوا بشكل قاطعٍ أن ما تم تداوله من “مزاعم” حول استهداف موكب المحافظ لا يمت للواقع بصلة، واعتبروه “تسييسًا” للقضية.
وأوضحوا أن الحادثة كانت نتاج توترٍ قائم منذ أشهر على خلفية قضية مقتل المواطن وائل وديع سلطان علي، والتي لا تزال منظورةً أمام الجهات القضائية.
وأضاف البيان أن الاشتباكات اندلعت بعد أن تعرّض باسم سلطان علي، عم المجني عليه، لمحاولة دهسٍ من قبل طقمٍ عسكري تابع للواء الرابع مشاة جبلي، “الذي كان يبتعد عن موكب المحافظ بمسافات بعيدة”؛ ما يؤكد أن الواقعة لم تكن تستهدف محافظ تعز بشكل مباشر.
لقطة شاشة لبيان أولياء دم المجني عليه في المقاطرة، 24 نوفمبر 2025
تتطابق هذه الرواية مع ما ورد على لسان شقيق باسم سلطان في مقطع فيديو، وبيانٍ صادر عن قبائل مديرية المقاطرة، الذي وصف القضية بأنها جنائية بحتة تتعلق بحماية المتهم علوي الجبولي، شقيق قائد المحور، وعدم تسليمه للعدالة في قضية قتل وائل وديع المقطري.
كما رفض البيان ما وصفه بـ”الترويج الإعلامي الرسمي” الذي تبنته “المؤسسات العليا في الدولة، من رئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع والداخلية والسلطات المحلية، والذي قدّم الحادثة على أنها محاولة اغتيال للمحافظ وقائد المحور”.
لقطة شاشة لبيان قبائل المقاطرة، 25 نوفمبر 2025
خلفية جنائية
أفاد سكان محليون لموقع “المشاهد” أن أسرة المجني عليه كانت تتمركز في نقطةٍ نصبوها في المنطقة احتجاجًا على عدم تسليم شقيق قائد محور طور الباحة للجهات القضائية المختصة.
توضح الوثائق الرسمية الصادرة عن الشعبة القانونية في محور طور الباحة، والموجهة إلى نيابة استئناف المنطقة العسكرية الرابعة في سبتمبر الماضي، أن المتهم بقتل وائل، هو علوي محمد أحمد الجبولي، يترأس الوحدة 90 قوات خاصة في محور طور الباحة، وأنه “محتجزٌ” دون تحديد مكان احتجازه، فيما كان المجني عليه يعمل جنديًا ومرافقًا للمتهم.
وفي مطلع نوفمبر المنصرم، ظهر والد المجني عليه في مقطع فيديو نُشر على “فيسبوك”، مطالبًا بتسليم الجاني علوي إلى جهات الاختصاص.
لقطة شاشة لمذكرة الشعبة القانونية توضح الاجراءات القضائية التي تمت حيال حادثة مقتل وائل وديع سلطان، 17 سبتمبر 2025
كما أظهرت مذكّرة من محامي عام النيابات العسكرية، مدير دائرة القضاء العسكري، مطلع نوفمبر 2025، موجهة إلى رئيس نيابة استئناف المنطقة العسكرية الرابعة أن قضية قتل وائل وديع سلطان هي “قضية جنائية”، وليست “قتل خارج نطاق القانون”.
لقطة شاشة لمذكرة محامي عام النيابات العسكرية، 3 نوفمبر 2025
استنتاج
أما بشأن القتلى الذين سقطوا في اشتباكات يوم 24 نوفمبر في منطقة “نجد البرد” بمديرية المقاطرة، فهم ليسوا مرافقي محافظ تعز، وإنما جنود يتبعون قائد محور طور الباحة، بحسب بيانٍ للمحور.
وهذا ما يتعارض مع الرواية التي تداولتها منصات إعلامية “بشكل عاجل” دون الاستناد إلى مصادر محلية للطرف الآخر، ما يعني أن هذه السردية مضللة.
تفاقمت التوترات بعد الحادث ووقعت اشتباكات بين محور طور الباحة وأهالي المنطقة، تدخلت على إثرها لجنة رئاسية برئاسة حمدي شكري لتهدئة الوضع.
وانتهت المساعي بتسليم المتهم علوي الجبولي في 1 ديسمبر الجاري وتم تسليمه إلى سجن مصنع الحديد، التابع لإدارة أمن مديرية طور الباحة بحسب ما ذكره أحمد عاطف حسن الصبيحي المتحدث باسم قبائل الصبيحة.
لقطة شاشة لمنشور يتحدث عن تسليم المتهم، علوي الجبولي للواء حمدي شكري، 1 ديسمبر 2025
تكشف المقارنة بين السرديتين -الرسمية من جهة، ورواية السكان وأسرة المجني عليه مدعومة بالوثائق من جهة أخرى- عن فجوةٍ جوهرية في توصيف الحدث.
فبينما قدمت السلطة المحلية الحادث في إطار “استهداف” للمحافظ، تشير المعطيات الميدانية والوثائق القضائية وتطورات الأحداث اللاحقة، بما في ذلك تسليم المتهم علوي الجبولي، إلى أن الواقعة كانت مرتبطة بنزاعٍ جنائي وقضية قتل سابقة بين شقيق قائد محور طور الباحة وأحد أهالي المنطقة، بعيدًا عن أي محاولة اغتيالٍ منظمة تستهدف المحافظ بشكل مباشر.
ختامًا، تمثل هذه الحادثة مثالًا صارخًا على كيفية إعادة صياغة الروايات الرسمية العاجلة، بدعم من إعلام سريع الانتشار، لنزاع محلي بحت ليبدو كقضية سياسية كبرى. وهذا يثير تساؤلًا أوسع: في عصر السرعة والأخبار الفورية، كم من القضايا الإنسانية الحقيقية تضيع وتُسحق تحت وطأة العناوين الضخمة والتحليلات السياسية المتسرعة؟