الحديدة في الصيف: الثلج قبل الرغيف

الحديدة- ياسمين الصلوي

“بمائتين ثلج ياعم حسن.. بمائة ثلج ياعم حسن.. بثلاث مائة ثلج ياعم حسن”، يستيقظ سكان المنازل المجاورة لبقالة العم حسن على هذه النداءات المتكررة والمعتادة.. منذ الساعة السادسة صباحًا، قبل أن تشتد حرارة النهار بساعة، وفق توقيت الأحياء الشعبية بشارع 24 وسط مدينة الحديدة الساحلية.

في بقالته شبه الخاوية من البضائع، يجد العم حسن نفسه محاطًا بأفواه عطشة، وبعشرات الأيدي الممدودة تطلب شيئًا من الثلج. عملات نقدية مهترئة وممزقة تحملها أيادي الزبائن، حاملةً معها حكاية مدينة أنهكها الفقر وموجات الحر التي أثقلت كاهل سكانها.

مشهد بيع الثلج في ساعات الصباح الأولى لا يعكس مجرد حاجة عابرة للتبريد، بل يروي جانبًا من معاناة سكان الحديدة، الذين يعيشون في واحدة من أكثر المناطق حرارة، بينما يكافح كثير منهم لتوفير أبسط احتياجات الحياة ويواجهون الجوع القاتل في مدينة تزخر بالموارد.

الثلج قبل الرغيف

يبدأ المواطن محمد يحيي يومه، من مديرية الحالي بمحافظة الحديدة، بالبحث عن رزق لإعالة أطفاله وزوجته. لكن شراء قطع الثلج هو الأولوية قبل أن يفكر بالوجبات الغذائية. ففي الحديدة أول ما تفكر به، بداية اليوم، كيف تُؤمّن حاجة أسرتك من الثلج، وأكثر ما تتناوله طول اليوم هو الماء، فالصيف لا يرحم الفقراء في هذه المدينة التي تتجاوز درجة حرارتها 40 درجة مئوية.

يقول محمد لـ”المشاهد”: “لأن أطفالي يستيقظون فجرًا باكيين؛ يريدون ماءً باردًا؛ لهذا أصبح شراؤه من أولويات يومنا، وفي بعض الأيام أجد صعوبةً في الحصول على المال؛ لذلك طلبتُ من مالك البقالة أن يصبر عليّ حتى نهاية كل شهر حتى أتمكن من الحصول على ثلج يوميًا وفي أي وقت”.

محمد يحيى، عامل بالأجر اليومي في الحديدة: “لأن أطفالي يستيقظون فجرًا باكييز يريدون ماءً باردً؛ لهذا أصبح شراؤه من أولويات يومنا، في بعض الأيام أجد صعوبةً في الحصول على المال لذلك طلبتُ من صاحب البقالة أن يصبر عليّ لنهاية كل شهر حتى أتمكن من الحصول على ثلج يوميًا وفي أي وقت”

يعمل محمد بالأجر اليومي، وهو أبٌ لثلاثة أبناء، “حمّالًا للبضائع” من المخازن إلى الشاحنات أو العكس. لذلك يجد صعوبةً في توفير متطلبات الأسرة؛ لأنه لا يعمل بشكل دائم، وكان يعمل في إحدى المنشآت الصناعية التي تم تدميرها خلال الحرب، وفقدَ عمله منذ عام 2018.

يضيف: “أجاهد كثيرًا من أجل أن يحصل أطفالي على ماء بارد، فهذا الجو يجعلك لا تفكر بالطعام، لا تريد سوى أن تشرب ماءً باردًا، نستيقظ ليلًا نبحث عن الماء البارد عدة مرات، لم تعد الثلاجات المنزلية متاحةً بعد انقطاع الكهرباء لساعات طويلة وغلاء سعر الكهربا، التجارية، ولم يبقَ أمامنا سوى الثلج، فهو وسيلتنا الوحيدة لمحاربة الحر”.

ميزانية الأسرة للثلج

أم أحمد (33 عامًا)، من سكان مدينة الحديدة، تقول: “إن مبلغ خمسمائة ريال يمني يوميًا لا تسد احتياجنا من الثلج، خاصةً في الصيف الحار”. فهي أمٌ لأربعة أبناء وزوجها عاطل عن العمل، تعمل في بيع الاكسسوارات والعطور والبخور في محاولةٍ منها لتوفير احتياجات أسرتها.

من جهتها تقول أم أمير: “أنفق مبلغًا وقدره سبعمائة ريال يوميًا؛ لشراء الثلج، وأحتاج إلى مبلغ إضافي إذا قررتُ شرب ماء بارد خلال بقية اليوم”.

وليد علي (اسم مستعار) يقول لـ”المشاهد”: “أدفع مبلغ ألف ريال لصاحب البقالة يوميًا لشراء قطع الثلج، خاصةً وأن أسرتي مكونة من سبعة أفراد، وفي حال زارني أقارب أو جيران أحتاج إلى خمسمائة ريال إضافية لسد حاجتهم من الثلج”.

ويضيف: “في بعض الأوقات لا أستطيع توفير هذه المبالغ، أحزن كثيرًا على أطفالي وهم يتباكون ويبحثون عن ماءٍ بارد عند الجيران”.

إبراهيم احمد، وهو مواطن أربعيني، يعمل هو الآخر بالأجر اليومي يقول: “كل يوم يأتي برزقه، إذا حصلتُ على عمل، أشتري ما يسد حاجة أسرتي من الثلج طول اليوم، أحزن كثيرًا حين أسمع أطفال جيراننا وهم يطرقون بابنا ويحملون ترمس الماء يطلبون ماءً باردًا، فوالدهم تم تسريحه من عمله وهو الآن يبحث عن عمل بديل ويعيل أسرة مكونة من ثمانية أطفال”.

كان للحرب أثر كبير في تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين في الحديدة. الضربات الجوية  الإسرائيلية خلال العامين الماضيين استهدفت محطات الكهرباء؛ وأدت الى انقطاعات متكررة للكهرباء؛ ما أثّر على حياة المواطنين الذين كانوا يعتمدون على الثلاجات المنزلية، وكذلك على منشآت تصنيع الثلج. أما الفقراء العاجزون عن دفع فاتورة الكهرباء فهم يتجرعون مرارة الحر قبل ذلك.

توزيع ثلج للأسر الفقيرة

ولأن الحصول على قطعة ثلج ضرورة يومية لكثير من الأسر التي تكافح من أجل مواجهة ارتفاع درجة الحرارة، في ظل انقطاع الكهرباء لساعات طويلة مع ارتفاع أسعارها، ظهرت سيدة تهامية، أمل النهاري، بمبادرةٍ إنسانية، تمثلت في شراء قوالب الثلج وتوزيعها على الأسر الأشد فقرًا.

تبذل أمل جهودًا حثيثة من أجل الوصول إلى المتبرعين للحصول على دعم لشراء قوالب الثلج؛ في محاولة منها لتخفيف وطأة الحر على عشرات العائلات المعدمة، وسط ظروف معيشية خانقة واجواء صيف ملتهب؛ لتتحول هذه المبادرة إلى نافذة أمل لكثير من الأسر.

تقول أمل: “بدأت المبادرة عام 2011، حين زرتُ أحد الأسر المعدمة لتقديم سلة غذائية، كانوا يشربون الماء حارًا، وحين سألتهم عن وضعهم أخبروني أنهم لا يستطيعون حتى توفير مائتي ريال لشراء قطعة ثلج، كان وضعهم محزن، فقررتُ الاتفاق مع مالك بقالة مجاورة لهم على أن يوفروا للأسرة قطعة ثلج يوميًا، وأدفع له القيمة مقدمًا أو نهاية الشهر، من حينها أدركتُ أن الكثير من الأسر في الحديدة تحتاج إلى دعمٍ لشراء الثلج، لاسيما خلال الأيام الحارة”.

أمل النهاري، صاحبة مبادرة توزيع ثلج للأسر المعدمة: بدأت المبادرة عام 2011 حين زرتُ أحد الأسر المعدمة لتقديم سلة غذائية، كانوا يشربون الماء حارًا، وحين سألتهم عن وضعهم أخبروني أنهم لا يستطيعون حتى توفير مائتي ريال لشراء قطعة ثلج”

تضيف أمل: “في الشتاء يقلّ الدعم، لكن في الصيف نجد الكثير من المتبرعين المتعاونين معنا، في بعض الأحيان نوزع يوميًا، وبعض الخيرين يتكفلون بتوزيع الثلج لأيام معينة من الأسبوع، لكننا بحاجة لدعم أكثر خاصةً وأن المبادرة بدأت توسع نشاطها في مناطق متفرقة داخل المدينة، وتصل عدد الأسرة المستفيدة إلى سبعين أسرة، ونطمح لمساعدة الكثير من ضمنهم الأيتام والمعاقين والمهمشين”.

تعمل أمل ضمن فريق متطوع من عشرة أشخاص، منهم أربعة ذكور، وست إناث، يعملون في توزيع قطع الثلج، إما بجمع الأسر المستهدفة في فناء منزل، أو بزيارة الأسر إلى منازلهم.

مع دخول فصل الصيف، هناك تحذيرات من ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة بالمناطق الساحلية والصحراوية، وهو ما يؤثر على حياة سكان هذه المناطق في ظل تدني الخدمات الأساسية ووجود تحديات معيشية تجعل تكيف المدنيين هناك مع الصيف أكثر صعوبة.

ارتفاع سعر الوقود

يرى الخبير الاقتصادي، عبدالسلام الأثوري، أن سنوات الحرب أدّت إلى تدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي للأسر في الحديدة بشكل كبير، حيث تراجعت مصادر الدخل وارتفعت معدلات البطالة والفقر.

 ويضيف: “عوامل اقتصادية جعلت الحصول على الثلج أكثر صعوبة بالنسبة للأسر الفقيرة في الحديدة، أبرزها ارتفاع أسعار الوقود المستخدم في تشغيل مصانع الثلج ووسائل النقل، وزيادة تكاليف الكهرباء أو الاعتماد على المولدات الخاصة في ظل عدم استقرار الخدمة الكهربائية، وتراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم؛ ما أدى إلى زيادة أسعار السلع والخدمات بشكل عام”.

الخبير الاقتصادي، عبدالسلام الأثوري: عوامل اقتصادية جعلت الحصول على الثلج أكثر صعوبة بالنسبة للأسر الفقيرة في الحديدة، أبرزها ارتفاع أسعار الوقود المستخدم في تشغيل مصانع الثلج ووسائل النقل، وزيادة تكاليف الكهرباء أو الاعتماد على المولدات الخاصة في ظل عدم استقرار الخدمة الكهربائية، وتراجع قيمة العملة وارتفاع معدلات التضخم؛ ما أدى إلى زيادة أسعار السلع والخدمات بشكل عام”

ونوّه بأن انخفاض القوة الشرائية للمواطنين؛ نتيجة ضعف الرواتب أو انقطاعها لدى بعض الفئات، وارتفاع تكاليف النقل والتوزيع من المصانع إلى الأحياء والأسواق، وزيادة الطلب على الثلج خلال فترات الصيف وموجات الحر الشديدة، مقابل محدودية الإنتاج أحيانًا”.

ويقول الأثوري: “بسبب المناخ الحار الذي تتميز به الحديدة، أصبح الثلج ضرورةً يوميةً لحفظ مياه الشرب وبعض الأغذية والتخفيف من آثار الحرارة الشديدة، إلا أن ارتفاع تكلفته جعل الحصول عليه يشكل عبئًا إضافيًا على الأسر محدودة الدخل التي باتت تضطر للمفاضلة بين شراء الثلج وتلبية احتياجات أساسية أخرى”.

ويضيف أن الفئات الأكثر تضررًا هي الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل، لاسيما عمال الأجر اليومي الذين لا يملكون دخلًا ثابتًا والنازحون الذين يعيشون في ظروف سكنية وخدمية صعبة، وكبار السن والمرضى الذين يحتاجون إلى مياه باردة بشكل مستمر خلال فصل الصيف، إلى جانب الأسر الكبيرة التي تضم عددًا كبيرًا من الأطفال”.

ويتابع: “إضافة إلى الصيادين والباعة الصغار الذين يعتمدون على الثلج لحفظ الأسماك أو بعض المواد الغذائية، حيث تؤثر زيادة الأسعار مباشرةً على دخلهم وقدرتهم على الاستمرار في أعمالهم”.

من منظور إنساني، لم يعد الثلج في الحديدة والمدن الساحلية في اليمن مجرد احتياج موسمي، بل أصبح مؤشرًا على حجم الضغوط المعيشية التي تواجهها الأسر الفقيرة في أكثر المحافظات اليمنية حرارة، حيث تتحول أبسط وسائل التكيف مع الحر إلى تكلفة يصعب على كثيرين تحملها.


قراءة الخبر كامل من المصدر