تحرير الاتصالات قبل تحرير الأرض… المعركة التي تأخرت عنها الشرعية
في اليمن، لم تعد الاتصالات مجرد خدمة يومية يستخدمها المواطن لإجراء مكالمة أو إرسال رسالة. لقد تحولت إلى واحدة من أهم أدوات النفوذ والسيطرة في الحرب، وإلى ملف سيادي وأمني واقتصادي لا يقل أهمية عن الموانئ والمطارات والطرق والجبهات العسكرية.
ومن هنا تبرز المفارقة المؤلمة: بينما تتحدث الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا عن استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، ما تزال قطاعات واسعة من البنية التحتية للاتصالات تعمل ضمن واقع فرضته جماعة الحوثيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه بصراحة، بعيدًا عن البيانات الرسمية والمجاملات السياسية هو:
إذا كانت الدولة لم تستطع حتى الآن استعادة السيطرة على قطاع الاتصالات، فكيف يمكن إقناع اليمنيين بأنها تسير فعلًا في طريق استعادة مؤسسات الدولة كاملة؟
إن تحرير الاتصالات ليس ترفًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب، ولا ملفًا إداريًا هامشيًا يُترك للمستقبل. بل هو جزء من معركة الدولة نفسها.
دولة بلا اتصالات سيادية… دولة ناقصة السيادة
في عالم اليوم، لا يمكن الحديث عن سيادة الدولة بمعناها الحديث من دون الحديث عن قدرتها على إدارة شبكات الاتصال والمعلومات والبنية الرقمية الواقعة ضمن نطاق سلطتها.
الاتصالات ليست أبراجًا وأسلاكًا وشرائح هاتفية فقط. إنها بيانات، ومعلومات، وحركة أموال، وتواصل اجتماعي، وخدمات مصرفية، وأعمال تجارية، ومؤسسات إعلامية، وأجهزة حكومية، ومجال واسع من النشاط الاقتصادي والأمني.
ولهذا فإن استمرار انقسام قطاع الاتصالات يعكس في جوهره استمرار الانقسام السياسي والجغرافي للدولة اليمنية.
المشكلة هنا ليست أن مواطنًا في صنعاء أو إب أو ذمار يستطيع إجراء مكالمة هاتفية بينما الحكومة في عدن؛ المشكلة الأعمق هي أن البنية التي يفترض أن تكون جزءًا من الدولة الواحدة أصبحت مرتبطة بواقع سلطتين ومؤسستين ومشروعين سياسيين متناقضين.
وهذا هو جوهر القضية.
لماذا تنتظر الشرعية تحرير الأرض أولًا؟
ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا لا تنظر الحكومة الشرعية إلى تحرير الاتصالات باعتباره إحدى المعارك التي يمكن خوضها بالتوازي مع المعركة العسكرية؟
فقد أثبتت السنوات الماضية أن انتظار «الانتصار الكبير» لتحرير الأرض قبل إعادة بناء مؤسسات الدولة قد يعني انتظارًا طويلًا بلا نهاية واضحة.
الحرب اليمنية لم تُحسم عسكريًا لصالح الحكومة المعترف بها دوليًا، والواقع على الأرض ما يزال معقدًا ومقسمًا. ولذلك فإن ربط استعادة القطاعات السيادية كلها بتحقيق نصر عسكري شامل يعني عمليًا ترك مساحات واسعة من مؤسسات الدولة معلقة إلى أجل غير معلوم.
الدولة لا تُستعاد في يوم واحد، ولا تبدأ استعادتها بالضرورة من آخر متر في الجبهة.
يمكن أن تبدأ من البنك، والمطار، والميناء، والاتصالات، والخدمات، والمؤسسات الرقابية، والأنظمة المالية والرقمية.
وهنا تحديدًا تصبح معركة الاتصالات ذات أهمية استثنائية.
تحرير الاتصالات قد يسبق تحرير المحافظات
من الخطأ افتراض أن استعادة الدولة تعني فقط دخول القوات إلى مدينة أو محافظة.
في الدول الحديثة، هناك «أرض» جغرافية، وهناك «أرض رقمية» ومؤسسية.
قد لا تستطيع الحكومة اليوم تغيير موازين القوى العسكرية في كل محافظة، لكنها تستطيع اتخاذ خطوات تدريجية لإعادة بناء منظومة اتصالات وطنية مستقلة، وربطها بالمؤسسات الحكومية، وتوسيع نطاقها في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، والعمل سياسيًا وقانونيًا وتقنيًا على إنهاء الازدواجية.
وهذا لا يعني تجاهل المعركة العسكرية، وإنما يعني فتح جبهة استعادة الدولة في مجال تستطيع الحكومة أن تحقق فيه تقدمًا ملموسًا حتى قبل تحقيق الحسم العسكري.
فالذي ينتظر تحرير الأرض كاملة حتى يبدأ تحرير الاتصالات قد يجد نفسه بعد سنوات أمام المشكلة نفسها.
أما الذي يبدأ بتحرير مؤسسات الدولة قطاعًا بعد قطاع، فإنه يراكم عناصر القوة اللازمة للحظة استعادة الأرض.
الاتصالات ليست مجرد أبراج
النقاش العام حول هذا الملف كثيرًا ما ينحصر في سؤال: أين توجد أبراج شركات الاتصالات؟ ومن يديرها؟ وأين تقع مراكز التشغيل؟
لكن القضية أكبر من ذلك بكثير.
السؤال الحقيقي هو:
من يملك القرار؟ ومن يملك البيانات؟ ومن يملك القدرة على مراقبة وتوجيه البنية التحتية؟ ومن يحدد القواعد المنظمة للقطاع؟ ومن يحصل على العوائد؟ ومن يملك القدرة على حماية الشبكات؟
هذه أسئلة تتعلق بالسيادة والأمن القومي والاقتصاد في آن واحد.
وفي ظل الحرب، تصبح هذه الأسئلة أكثر حساسية؛ لأن الاتصالات يمكن أن تكون وسيلة للتواصل المدني، لكنها في الوقت نفسه جزء من منظومة المعلومات التي تعتمد عليها الأطراف السياسية والعسكرية.
ولهذا لا يمكن التعامل معها بمنطق «شركة تقدم خدمة للمشتركين» فقط.
إنها بنية تحتية استراتيجية.
الشرعية أمام اختبار مختلف
الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا تواجه منذ سنوات اختبارًا صعبًا: كيف تثبت أنها ليست مجرد سلطة سياسية تعمل من خارج مناطق واسعة من البلاد، وإنما مشروع دولة قادر على استعادة مؤسساتها تدريجيًا؟
والاتصالات واحدة من الملفات التي يمكن أن تقدم من خلالها إجابة عملية.
فالخطابات السياسية مهما كانت قوية لا تكفي.
والبيانات التي تتحدث عن استعادة الدولة لا تكفي.
والوعود بتحقيق النصر في المستقبل لا تكفي.
المواطن يريد أن يرى مؤسسات تعمل، وشبكات تُدار وفق قانون الدولة، وخدمات تُقدم وفق معايير وطنية، وبيانات تُحمى، واقتصادًا رقميًا لا يخضع لتعدد مراكز النفوذ.
استعادة الاتصالات ستكون رسالة سياسية قبل أن تكون إنجازًا تقنيًا.
رسالة تقول إن الدولة تستطيع أن تستعيد وظائفها حتى في أصعب الظروف.
لا تنتظروا النصر الكامل
من أكثر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها الحكومات خلال الحروب أن تجعل كل شيء مشروطًا بالنصر النهائي.
إذا انتصرنا سنبني المؤسسات.
إذا تحررت المحافظات سنصلح الاقتصاد.
إذا انتهت الحرب سنوحد الاتصالات.
إذا استُعيدت العاصمة سنبدأ بناء الدولة.
لكن ماذا لو طال أمد الحرب؟
هل تتوقف الدولة عن العمل إلى أن تنتهي الحرب؟
التجارب السياسية تقول إن الدول لا تستطيع الانتظار إلى ما لا نهاية.
بل إن بناء مؤسسات الدولة أثناء الصراع قد يكون جزءًا من صناعة الانتصار نفسه.
وكلما تمكنت الحكومة من بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستقلالية، ازدادت قدرتها على منافسة سلطات الأمر الواقع وإقناع المواطنين والمجتمع الدولي بأنها البديل الحقيقي القابل للحياة.
المعركة الرقمية جزء من معركة الدولة
لم يعد من المقبول أن تُختزل معركة الدولة في اليمن في الخرائط العسكرية وحدها.
هناك معركة على الاقتصاد.
ومعركة على المؤسسات.
ومعركة على الإعلام.
ومعركة على الموارد.
ومعركة على البيانات.
ومعركة على الاتصالات.
وإذا كانت الحكومة الشرعية تريد بالفعل استعادة الدولة، فعليها أن تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها جبهات متكاملة.
فقد يخسر طرف معركة عسكرية، لكنه يربح نفوذًا اقتصاديًا أو معلوماتيًا.
وقد يخسر موقعًا جغرافيًا، لكنه يحتفظ بقطاع استراتيجي يمنحه نفوذًا واسعًا على حياة ملايين الناس.
لهذا فإن تحرير الاتصالات ليس بديلًا عن تحرير الأرض، لكنه أحد المسارات التي يجب أن تسير بالتوازي مع تحرير الأرض.
المطلوب ليس شعارًا جديدًا
اليمن لا يحتاج إلى شعار إضافي.
يحتاج إلى خطة.
خطة واضحة لاستعادة قطاع الاتصالات ضمن إطار الدولة، وخطة لتوحيد التنظيم والرقابة، وخطة لحماية البيانات، وخطة لإعادة بناء البنية التحتية، وخطة لتوسيع الخدمات في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة، وخطة قانونية وسياسية للتعامل مع البنية التي نشأت خلال سنوات الانقسام.
والأهم من ذلك كله: أن تكون هناك إرادة سياسية حقيقية.
فإذا كانت الحكومة تقول إن الحوثيين يمثلون مشروعًا موازيًا للدولة، فعليها أن تبني في المقابل مشروعًا متكاملًا للدولة.
وإذا كانت تقول إن المؤسسات يجب أن تعود إلى صنعاء، فعليها أن تبدأ اليوم ببناء المؤسسات التي تستطيع أن تعود غدًا.
الاتصالات كاختبار للجدية
قد تبدو قضية الاتصالات بالنسبة إلى البعض صغيرة أمام الحرب والدمار والانقسام.
لكنها في الحقيقة اختبار مصغر لقضية أكبر:
هل تستطيع الدولة اليمنية أن تستعيد وظائفها؟
إذا كانت الإجابة نعم، فيجب أن يظهر ذلك في تفاصيل الحياة اليومية، وفي القطاعات الاستراتيجية، وفي قدرة الحكومة على بناء أنظمة مستقلة وفعالة.
أما إذا ظلت الاتصالات وغيرها من القطاعات السيادية رهينة للانقسام سنوات طويلة، فإن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الوضع القائم، بل في أن يتحول هذا الوضع تدريجيًا إلى أمر طبيعي يصعب تغييره.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فالأمر الواقع إذا طال عمره قد يتحول من «مرحلة مؤقتة» إلى «نظام مستقر».
الخلاصة: حرروا مؤسسات الدولة قبل أن تنتظروا تحرير كل شبر
ليس المطلوب من الحكومة أن تحقق المستحيل بين ليلة وضحاها.
لكن المطلوب منها أن تتحرك.
أن تدرك أن استعادة الدولة ليست عملية عسكرية فقط، وأن تحرير الاتصالات يمكن أن يكون إحدى اللبنات الأساسية في مشروع الاستعادة الوطنية.
لا تنتظروا تحرير كل المحافظات لكي تبدأوا بتحرير الاتصالات.
ابدأوا بتحرير ما يمكن تحريره اليوم.
ابنوا الشبكات والمؤسسات والأنظمة والكوادر والقوانين.
وحّدوا القرار.
احموا البيانات.
عززوا البنية التحتية.
وأثبتوا للمواطن أن هناك دولة تعمل، حتى في زمن الحرب.
فالأرض قد تُستعاد في معركة، أما الدولة فتُستعاد عبر آلاف الخطوات المتراكمة.
وفي اليمن، ربما تكون الخطوة التي تأخرت طويلًا هي أن تدرك الحكومة أن معركة الاتصالات ليست نتيجة لتحرير الدولة… بل يمكن أن تكون واحدة من مقدمات تحريرها.
والسؤال الذي سيبقى مطروحًا أمام الحكومة والشرعية والمجتمع الدولي ليس: متى ستنتهي الحرب فقط؟
بل:
متى تبدأ الدولة اليمنية باستعادة مؤسساتها واحدةً تلو الأخرى، بدل انتظار نصر عسكري شامل قد يتأخر أكثر مما يحتمل اليمن؟