المشهد اليمني – كارثة الـ 12 عاماً.. كيف حولت السيطرة على صنعاء حياة اليمنيين إلى كابوس إنساني؟

في مثل هذا اليوم من عام 2014، لم تكن صنعاء على موعد مع مجرد تغيير في المشهد السياسي، بل كانت أمام زلزال جيو-سياسي أعاد تشكيل خارطة اليمن والمنطقة برمتها. اثنا عشر عاماً مرت منذ تدفق المليشيات الحوثية من معاقلها في صعدة لتفرض سيطرتها العسكرية على العاصمة ومؤسسات الدولة السيادية، وهي السنوات التي اختزلت عقوداً من الصراع، وأدخلت البلاد في مظلمة إنسانية واقتصادية لم تشهد لها المجمعات الدولية مثيلاً في التاريخ الحديث.

من “صدمة سبتمبر” إلى شلل الدولة

بدأت القصة في 21 سبتمبر 2014، حين استغلت الجماعة حالة التباين السياسي التي تلت مؤتمر الحوار الوطني، لتجتاح العاصمة وتفرض حصاراً مسلحاً على المربع الأمني والمقرات السيادية. وما هي إلا أشهر قليلة حتى تصاعدت الأحداث مطلع عام 2015؛ بالسيطرة على القصر الرئاسي وفرض الإقامة الجبرية على الرئيس الأسبق عبدربه منصور هادي والوزراء، مما دفع بمجلس الأمن الدولي إلى التدخل عبر القرار 2216، مطارداً حلم استعادة الدولة ومطالباً المليشيات بالانسحاب وتسليم السلاح الثقيل الذي تم الاستيلاء عليه من معسكرات الجيش.

تفكيك البنية المجتمعية: اختطافات وقضاء موازٍ

لم تقتصر التداعيات على البُعد العسكري، بل امتدت لتطال النسيج المدني للبلاد. التقارير الصادرة عن منظمات حقوقية دولية مثل “العفو الدولية” و”هيومن رايتس ووتش” ترسم صورة قاتمة لما شهدته المحافظات الخاضعة لسيطرة المليشيات؛ حيث تحول ملف الإخفاء القسري والاعتقال التعسفي إلى أداة يومية لإخضاع السياسيين، الصحفيين، والأكاديميين.

ولم يقف الأمر عند السجون السرية والمحاكمات السياسية القاسية التي أصدرت عشرات أحكام الإعدام بحق المعارضين، بل تعداه إلى استخدام تكتيكات العقاب الجماعي، وفي مقدمتها تفجير منازل الخصوم القبليين والسياسيين، كنموذج لإرهاب المجتمع وتدمير رمزيته.

تجريف التعليم وتجنيد الأطفال: ألغام موقوتة في أدمغة الجيل

وفي واحدة من أخطر الانتهاكات الموثقة أممياً، تشير تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى نظام منظم ومتعدد المستويات تقوده أجهزة التعبئة الحوثية للزج بالأطفال في أتون المعارك. وعبر استغلال المراكز الصيفية والمدارس، جرى تعديل المناهج الدراسية لتجريف الهوية الوطنية واستبدالها بأفكار تؤسس للعنف والكراهية، مما يحول قطاع التعليم من منصة للبناء إلى ساحة للتعبئة الأيديولوجية التي تهدد مستقبل الأجيال القادمة.

إخفات الصوت الحر وحصار العمل الإنساني

صحفياً وإعلامياً، تعرضت حرية التعبير لنكسة كاملة؛ إذ جرى إغلاق واقتحام عشرات المؤسسات الإعلامية الرسمية والأهلية، ومصادرة أصولها، وتحويل المنصات المتبقية إلى بوق موجه للتعبئة الحربية.

ولم تسلم العمليات الإنسانية من هذا الحصار، حيث تصاعدت حملات الاستهداف لتطال طواقم الأمم المتحدة والمنظمات الدولية؛ إذ تؤكد البيانات الأممية استمرار الاحتجاز التعسفي لعشرات الموظفين الدوليين والمحليين، إلى جانب فرض الجبايات ومصادرة المساعدات، ما أدى إلى تقليص الأنشطة الإغاثية في وقت تقف فيه ملايين الأسر على شفا المجاعة.

الاقتصاد الموازي وقطع الأوردة الحيوية

اقتصادياً، كست سنوات الانقلاب حياة اليمنيين ببؤس مضاعف. ففي مقابل توقف صرف مرتبات مئات الآلاف من موظفي القطاع المدني لأعوام، نشط اقتصاد موازٍ قائم على الرسوم والجبايات غير القانونية، التي أثقلت كاهل القطاع الخاص ورفعت أسعار السلع الأساسية إلى مستويات خيالية.

يضاف إلى ذلك ملف “الألغام والعبوات الناسفة” التي زرعت بدمبارد في المزارع والطرقات دون خرائط واضحة، لتشكل قاتلاً صامتاً يمنع عودة النازحين ويعطل شريان الحياة الزراعية والاقتصادية للبلاد.

26 سبتمبر في مواجهة أوهام الامتياز السلالي

مع حلول هذه الذكرى، يتجلى التباين الصارخ بين مشروعين؛ فالأول تمثله ثورة 26 سبتمبر 1962 التي أطاحت بحكم الإمامة وأرست دعائم المواطنة المتساوية والجمهورية، والثاني يمثله مشروع 21 سبتمبر الذي أعاد للواجهة مفاهيم الاصطفاء الطبقي والامتياز السلالي.

لقد أثبتت السنوات الـ 12 الماضية أن ما حدث لم يكن مجرد استيلاء على السلطة، بل كان محاولة لإعادة كتابة تاريخ اليمن بقوة السلاح، وتحويل البلاد إلى ساحة لمشاريع إقليمية على حساب تطلعات شعب يطمح إلى الاستقرار والكرامة.


قراءة الخبر كامل من المصدر