تعز: تراكم النفايات يفاقم المخاطر الصحية

تعز–عبدالملك الأغبري

تواجه مدينة تعز تحديات متزايدة في إدارة النفايات الصلبة، في ظل ما تخلفه من مخاطر صحية وبيئية على السكان، خصوصًا في محيط المستشفيات والأسواق والأحياء السكنية والأماكن العامة، حيث يشكل تراكم المخلفات بيئة ملائمة لانتشار الروائح الكريهة والحشرات والكلاب الضالة، فضلًا عن مخاطر التلوث وانتقال الأمراض.

تأتي هذه التحديات في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المدينة والحصار المفروض عليها من قبل جماعة الحوثي، وما يرافق ذلك من تداعيات على الخدمات الأساسية واستقرار السلع الغذائية والتموينية، في مشهد يضيف عبئًا جديدًا إلى معاناتهم اليومية.

يقول أحد العاملين في محل لبيع الملابس بشارع التحرير الأعلى، عبدالرقيب أحمد، لـ”المشاهد”: “إن تراكم النفايات في الشوارع يشكّل خطرًا على حياة الناس وعبئًا إضافيًا على السكان، خصوصًا مع انتشار المخلفات بالقرب من محال بيع اللحوم والمستشفيات والمنازل. موضحًا أن ترك المخلفات دون رفعها بصورة منتظمة يؤدي إلى انبعاث روائح كريهة، تزداد حدتها مع ارتفاع درجات الحرارة خلال ساعات الظهيرة؛ ما يتسبب في إزعاج يومي للأهالي والمارة وأصحاب المحال التجارية والبسطات، ويثير مخاوفهم بشأن الصحة العامة وسلامة البيئة المحيطة.

وأشار إلى أن استمرار المشكلة في ظل تردي الأوضاع الخدمية والصحية يضاعف مخاوف السكان، لا سيما في ظل الظروف التي تعيشها المدينة، حيث قد يجد المرضى صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة خاصة مع الحالة المادية التي يعيشها أبناء تعز وسط تداعيات الحرب والحصار المفروض من قبل جماعة الحوثي على المدينة.

موضحًا أن النفايات المتراكمة في شارع التحرير الأعلى تحتاج إلى معالجة واضحة ومستدامة، مشيرًا إلى أن المشكلة ليست وليدة اللحظة، بل تعود إلى فترة سابقة، إلا أنها تفاقمت مؤخرًا مع توقف أعمال النظافة. وأضاف أن موقع تجمع النفايات المحاذي للمسلخ تنبعث منه روائح كريهة؛ ما يزيد من معاناة السكان والمارة، ويستدعي إيجاد حلول جذرية لمعالجة المشكلة والحد من آثارها الصحية والبيئية، آملًا أن يتم غسل أماكن المخلفات بالماء ومحاولة تعقيمها إن أمكن، خاصة مع تحلل كثير هذه المخلفات التي قد تسبب أمراضًا أو أوبئة لأصحاب المحال أو البسطات المجاورة للمسلخ.

مخاطر صحية

إلى ذلك، يقول المختص في الصحة العامة بمدينة تعز، الدكتور عمار محمد: “إن تراكم النفايات ومخلفات المستشفيات واللحوم في الشوارع، وتركها لفترات طويلة دون ترحيلها إلى الأماكن الخاصة، يشكّل خطرًا على صحة السكان، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة وقت الظهيرة التي تُسرّع من تحلل المخلفات العضوية وتزيد من انبعاث الروائح الكريهة”.

وأوضح أن تحلل مخلفات المستشفيات أو اللحوم وكذلك النفايات العضوية يهيئ بيئة مناسبة لتكاثر الذباب والحشرات والقوارض، التي قد تسهم في نقل مسببات الأمراض وتلويث الأغذية والأسطح؛ ما يزيد من احتمالات الإصابة ببعض الأمراض المعدية، خصوصًا هذه الأيام التي تشهد تراكمًا مستمرًا للمخلفات.

وأشار إلى أن التعرض للأغذية والمياه الملوثة خاصة الفواكة أو الخضروات التي تُباع في البسطات قد يؤدي إلى الإصابة بأمراض الكوليرا أو في الجهاز الهضمي، مثل الإسهال والتسمم الغذائي، فيما يمكن أن تسهم الظروف البيئية غير الصحية في انتشار بعض أنواع العدوى، بحسب طبيعة الملوثات ومستوى التعرض لها.

وأضاف أن الروائح المنبعثة من النفايات المتحللة قد تسبب الإزعاج والصداع والغثيان لدى بعض الأشخاص، كما قد تؤدي الروائح والملوثات الموجودة في الهواء إلى تفاقم أعراض الحساسية والربو لدى الأشخاص الذين يعانون من مشكلات تنفسية، خصوصًا عند التعرض المستمر لها.

ولفت إلى أن الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة قد يكونون أكثر عرضة للمضاعفات الصحية المرتبطة بالبيئات الملوثة. وأكد أن خطورة تراكم النفايات لا تقتصر على الروائح الكريهة وتشويه المظهر العام للشوارع، بل تمتد إلى احتمالات تلوث البيئة المحيطة وتهيئة الظروف المناسبة لانتشار الحشرات والأمراض؛ ما يجعل المشكلة مصدر قلق صحي للسكان، خصوصًا في ظل الحصار والظروف المعيشية الصعبة التي تمر بها مدينة تعز.

حجم النفايات في تعز

مكب مؤقت للنفايات في مدينة تعز، 21 أكتوبر 2026، تصوير عبدالملك الأغبري

مدير مشروع النظافة بمدينة تعز، محمد إبراهيم، يقول لـ”لمشاهد”: “إن المدينة تنتج يوميًا ما بين 550 و600 طن من النفايات، بما يعادل نحو 16,500 إلى 18,000 طن شهريًا، ونحو 198 ألفًا إلى 219 ألف طن سنويًا”.

وأوضح إبراهيم، أن أعمال جمع النفايات وترحيلها تأثرت بشدة منذ الخامس من أكتوبر الجاري؛ نتيجة الحصار الخانق المفروض على المدينة، من قبل جماعة الحوثي، وتداعيات الاضطرابات الاقتصادية، وإغلاق المقلب الواقع في مناطق التماس والنقص الحاد في المشتقات النفطية؛ ما حدّ من قدرة الصندوق على تشغيل معداته بانتظام وتغطية مختلف مناطق المدينة بالمستوى المطلوب.

وأشار إلى أن الصندوق يواجه تراجعًا حادًا وخطيرًا في موارده المالية؛ نتيجة إغلاق كافة منافذ التحصيل الرئيسية، وتوقف توريدات بعض الجهات والمنشآت، وعدم سداد بعض المنشآت التزاماتها المالية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

وأضاف أن تراجع الإيرادات انعكس بصورة مباشرة على قدرة الصندوق على مواجهة النفقات التشغيلية وتأمين أبسط متطلبات العمل، وفي مقدمتها الديزل وقطع الغيار والصيانة اللازمة لتشغيل معدات النظافة والترحيل، محذرًا من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في معدلات جمع المخلفات، وتفاقم تراكمها في الشوارع والأحياء السكنية.

وأكد إبراهيم أن استمرار خدمات النظافة يتطلب معالجة عاجلة لموقع ترحيل النفايات وأزمة الوقود، ومساندة جهود الصندوق في تأمين احتياجات التشغيل والصيانة، إلى جانب تعزيز التنسيق مع الجهات المعنية لمعالجة تدني مستوى الإيرادات، بما يساعد على الحد من تراكم المخلفات والمحافظة على الصحة العامة والبيئة في مدينة تعز.

انفوغرافك مصمم بمساعدة الذكاء الاصطناعي يوضح حجم النفايات في مدينة تعز

وأشار إبراهيم إلى أن مخلفات المستشفيات تُعد من أكثر أنواع النفايات خطورة، تليها مخلفات المسالخ وأسواق القات، موضحًا أن النفايات الطبية، خصوصًا الأدوات الحادة والمواد الملوثة، قد تشكل خطرًا مباشرًا على السكان والعاملين في النظافة أيضًا؛ بسبب احتمالات الإصابة أو انتقال العدوى. كما تتسبب مخلفات المسالخ بانبعاث الروائح الكريهة وجذب الكلاب الضالة؛ ما يضاعف الأضرار التي يتعرض لها سكان الأحياء المجاورة والمارة، في حين يثير تراكم النفايات بالقرب من الأسواق مخاوف بشأن سلامة الأغذية، لا سيما الفواكه والخضروات المعروضة للبيع، لاحتمال تعرضها للتلوث.

وبحسب مدير مشروع النظافة، فإن محيط المستشفيات والحارات السكنية والأماكن العامة والأسواق من أكثر المواقع تضررًا من تراكم النفايات؛ نظرًا إلى ارتباطها المباشر بحياة السكان اليومية وكثافة حركة المارة والمتسوقين.

وفي محاولة لمعالجة المشكلة، أشار إبراهيم إلى وجود مقترحات لتوفير مواقع بديلة لترحيل النفايات، إلا أن تنفيذها يواجه صعوبات، من بينها اعتراض بعض المواطنين على تخصيص مواقع بالقرب من منازلهم.

وبحسب المدير العام لصندوق النظافة والتحسين، وليد السلامي، فإن الجهود الميدانية التي ينفذها مشروع النظافة في مدينة تعز للحد من تراكم النفايات والتخفيف من آثارها الصحية والبيئية، برعاية محافظ المحافظة نبيل شمسان، وإشراف وكيل محافظة تعز للشؤون الصحية الدكتورة إيلان عبدالحق؛ تحافظ على استمرار خدمات النظافة ومواجهة التحديات التي تشهدها المدينة.

وفي سياق الجهود المبذولة للحد من تراكم المخلفات، نفذ صندوق النظافة، الثلاثاء الماضي، حملةً لرفع النفايات من مواقع عديدة في المدينة، وتم ترحيلها إلى نهاية “سائلة السعيد” في “منطقة عصيفرة” كموقع مؤقت في مسعى للتخفيف من آثار تراكمها على السكان والبيئة. وأكد استمرار الجهود لتصريف النفايات والحد من تراكمها، بما يسهم في تجنيب السكان مزيدًا من الأضرار الصحية والبيئية.

ويتساءل السكان في تعز متى سينعمون بالأمن وتعود خدمات النظافة إلى نمطها الطبيعي في ظل الحملة العسكرية المستمرة على المدينة من قبل جماعة الحوثي؟.


قراءة الخبر كامل من المصدر