عدن: البنك المركزي في مواجهة الضغوط الأممية … هل ينجح؟
عدن- محمد عبدالله
دخلت المواجهة الاقتصادية بين الحكومة اليمنية وجماعة أنصار الله (الحوثيين) مرحلة جديدة من التصعيد، مع قرار البنك المركزي في عدن سحب تراخيص ستة بنوك، وذلك بسبب عدم امتثالها لقراراته، في خطوة أثارت ردود أفعال متباينة في اليمن.
المبعوث الأممي لدى اليمن، هانس غروندبرغ، طلب من مجلس القيادة الرئاسي على وجه الاستعجال وقف قرار البنك المركزي أو تأجيل تنفيذه إلى نهاية أغسطس/آب المقبل، وحذّر من أن قرارات مركزي عدن “سوف توقع الضرر بالاقتصاد اليمني، وقد تؤدي إلى خطر التصعيد الذي قد يتسع مداه إلى المجال العسكري”.
وأبدى المبعوث الأممي دعمه لإطلاق حوار برعاية الأمم المتحدة بين الأطراف اليمنية لمناقشة التطورات الاقتصادية الأخيرة بهدف التوصل إلى حلول تخدم مصلحة جميع اليمنيين.
في المقابل، أظهر المجلس الرئاسي نوعا من المرونة إزاء طلب المبعوث الأممي، إذ اشترط “استئناف تصدير النفط، وتوحيد العملة الوطنية، وإلغاء كافة الإجراءات الحوثية التعسفية بحق القطاع المصرفي” للانخراط في أي حوار حول الملف الاقتصادي. حتى اللحظة، لم يصدر عن البنك المركزي بيان يوضح فيه رفضه أو استعداده للدخول في حوار اقتصادي مع جماعة الحوثي.
لكن جماعة الحوثي أبلغت غروندبرغ “رفضها القاطع” للمشاركة في أي مفاوضات مع الحكومة الشرعية إلا في إطار “خارطة الطريق” المتفق عليها.
نائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين بصنعاء، حسين العزي، قال في تغريدة على منصة إكس “أكدنا (للمبعوث الأممي) أن استعمال لغة التأجيل والترحيل في مسائل تتصل بحقوق شعبنا اليمني العزيز (يقصد الوضع الاقتصادي والإنساني) أمر غير مقبول”. وأضاف العزي:” لن يكون هناك أي تفاوض إلا في إطار مناقشة تنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها”.
وفي 23 ديسمبر/ كانون الأول 2023، أعلن المبعوث الأممي عن توصل الحكومة والحوثيين إلى “الإلتزام بمجموعة من التدابير تشمل وقفًا شاملًا لإطلاق النار وتحسين الظروف المعيشية في البلاد”، إلا أن خارطة الطريق لا تزال متعثرة إلى اليوم.
تبعات تنفيذ قرارات البنك المركزي
ويثير هذا التضارب في المشهد الاقتصادي تساؤلات حول التداعيات المحتملة للقرار في حال إصرار البنك المركزي على تنفيذ قراراته وعدم التراجع عنها.
يرى الباحث الاقتصادي عبد الواحد العوبلي أنّ البنك يسعى من خلال قراره سحب تراخيص البنوك الستة إلى “خنق العمليات المالية للحوثيين” وهي خطوة “ستتأثر بها البنوك ولن يستفيد منها المواطن”، في حال لم يتراجع عنها.
وأوضح في تصريح لموقع “المشاهد” أنّ تأثُر البنوك من القرار يتمثل “بإلغاء السويفت عنها ما يؤدي إلى عجزها عن الاستلام أو التحويل”.
يحظى البنك المركزي في عدن باعتراف المؤسسات المالية الدولية، ما يمنحه قدرة التحكم في الوصول إلى الشبكة المالية العالمية “سويفت“.
أما في حال استجاب البنك المركزي للضغوط الأممية وتراجع عن تنفيذ قراراته الأخيرة بشكل كامل، فإن ذلك سيُشكل “ضربة كبيرة للحكومة الشرعية وللمؤسسات السيادية التابعة للدولة”، وفقا للصحفي الاقتصادي وفيق صالح.
يضيف صالح: “سيفقد البنك المركزي في عدن ثقة القطاع المصرفي وثقة المواطنين والمتعاملين، كما سيفقد المكاسب التي كان قد حققها في هذا المجال في تنظيم حركة الحوالات الداخلية وحركة تدفقات الحوالات الخارجية إلى البلاد”.
خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، أصدر البنك المركزي اليمني في عدن سلسلة قرارات جريئة يهدف من خلالها لتعزيز سلطته الرقابية على النشاط المالي وتنظيم العمل المصرفي. من بين تلك القرارات سحب تراخيص مصارف وبنوك رفضت نقل مقراتها إلى عدن، وإيقاف شبكة التحويلات المالية الداخلية.
يرى صالح في حديثه لـ “المشاهد” أنّ أي تراجع للبنك عن إجراءاته السابقة “سيكون بمثابة شرعنة للممارسات التي قامت بها جماعة الحوثي ضد الاقتصاد اليمني بشكل عام وضد البنوك والقطاع المصرفي على وجه الخصوص”.
منذ عام 2016، يشهد اليمن أزمة انقسام نقدي عقب إعلان الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا نقل مقر البنك المركزي اليمني من صنعاء إلى عدن. رفضت سلطات الحوثي في صنعاء تلك الخطوة، واستمر البنك المركزي في صنعاء بالسيطرة على القطاع المصرفي في المناطق الخاضعة لجماعة الحوثي. ونتيجة لذلك، أصبح لليمن بنكان مركزيان في صنعاء وعدن، يعملان بشكل مستقل عن بعضهما.
وتواجه الحكومة الشرعية أزمة مالية خانقة تصاعدت منذ توقف موانئ تصدير النفط الخام التابعة لها، نتيجة هجمات جماعة الحوثي. ومع هذه الأزمة، تراجع سعر الريال اليمني مقابل الدولار الأمريكي في المناطق التي تحت سلطة الحكومة، حيث أصبح صرف الدولار الواحد بـ 1820 ريال يمني للمرة الأولى في تاريخ البلاد.
موقف شعبي
الرسالة التي وجهها المبعوث الأممي للمجلس الرئاسي حثت على التراجع عن قرارات البنك المركزي في عدن، لكنها أثارت جدلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع دعوات سياسية ومدنية للخروج في تظاهرات شعبية رفضًا لـ”الضغوطات الدولية ودعمًا لقرارات البنك المركزي وموقف المجلس الرئاسي”.
وكان العشرات في مدينة مأرب تظاهروا يوم السبت، للمطالبة “بسرعة تنفيذ القرارات الاقتصادية وعدم التهاون في ذلك مهما كانت الضغوط”.
كما دشن ناشطون على منصة إكس حملة تحت هاشتاج “#قرارات_البنك_إرادة_شعبية”، دعمًا لإجراءات البنك المركزي في عدن ورفضًا لما سموها الضغوط الأممية وتدخلات المبعوث الأممي “غير المنطقية” التي تصب في مصلحة الحوثيين، حسبما ترى الناشطة الحقوقية إشراق المقطري.
وقالت في تغريدة على منصة إكس: “التدخل الأممي من خلال المبعوث يجب أن يكون في صالح عدم تقوية طرف وفي إتاحة الفرصة للناس في أخذ حقوقهم ممن ينتهكها، ومنها الحقوق الاقتصادية، لا المساهمة في دعمه اقتصاديًا وإضعاف المواطنين”.
في المقابل، مواطنون في مناطق سيطرة حكومة صنعاء يرفضون الإجراءات التي يتخذها البنك المركزي في عدن، ويقولون أن تلك القرارات ستزيد من معاناتهم الإنسانية والمعيشية، ولن تؤثر على جماعة الحوثي على المستوى العسكري والسياسي.
تقويض السلطة الشرعية
يرى الباحث السياسي عبد الواسع الفاتيكي أن “غروندبرغ في إطار مهمة إنقاذ جماعة الحوثي في سياق سياسية ممنهجة للأمم المتحدة ومن خلفها المجتمع الدولي تهدف لتقويض وثني السلطة الشرعية عن جهودها في استعادة مؤسسات الدولة”.
يقول الفاتيكي لـ “المشاهد”: “المبعوث الأممي يسعى لكسب مزيد من الوقت ريثما يستطيع تكثيف الضغوط الإقليمية والدولية على السلطة الشرعية لتتراجع عن قراراتها السيادية الأخيرة ليتمكن بعد ذلك من إشراك الحوثيين في إدارة الشأن الاقتصادي العام حتى يتمكنوا من الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية ومواردهم المالية”.
منذ أغسطس/آب 2021 يتولى الدبلوماسي السويدي هانس غروندبرغ منصب مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن كرابع مبعوث أممي منذ أواخر 2014، إلا أنه لم يُحدث اختراقًا جوهريًا في جدار الأزمة. وتعد الهدنة التي توصلت لها أطراف الصراع في أبريل/نيسان 2022 أبرز إنجاز حققه الرجل على مدى أكثر من عامين.
ومع استمرار الصراع البنكي والاقتصادي بين الحكومة والحوثيين، تحذر تقارير حقوقية من تفاقم الانخفاض الحالي في تدفقات التحويلات المالية إلى اليمن، وما سينتج عنه من تسارع انخفاض قيمة العملة، واتساع الفجوة في تمويل الواردات، وزيادة انعدام الأمن الغذائي للأسر، وزيادة الضغط على الاقتصاد.
المصدر